دود المش منه فيه!

من هنا وهناك

يسري ربيع داود

عام 1991 كنا في الصف الثالث الثانوي ،وكان وزير التعليم في ذلك الوقت هو د. حسين بهاء الدين – على ما أتذكر –  وقد  استحدث مناهج جديدة ،ولأول مرة تطبع الوزارة كتابًا مستقلًّا كبنك أسئلة على كل مادة دراسية ،ومن ضمن هذه الكتب كتاب على منهج الأحياء ،وكان أول سؤال في الكتاب :

علل: دود المش منه فيه!

وأصابتني كآبة لأنني لم أعرف الجواب ،وما زادني حزنًا  أنني لم أقرب كتاب الأسئلة إلا بعد أن كنت جاهزًا مائة بالمائة لأي سؤال.

وإلى الآن لم أعرف الجواب العلمي على هذا السؤال اللعين !

طيب ..لماذا أذكر ذلك الآن ؟

بعد عودتي من صلاة الفجر كنت جائعًا ،فتحت الثلاجة وأخذت قطعة جبن قريش ،وقبل أن أتناولها تذكرت هذا السؤال ،رغم أن الجبن بيدي من الجبن القريش الأبيض،ولا علاقة له بالمش ولا بدود المش !

لكن عند صعودي على الدرج قفز إلى عقلي اللوذعي تفسيرٌ يمكن تطبيقه على أرض الواقع ، رغم أن عقلي يكون خارج نطاق الخدمة عند استشعاره بالجوع ،لكنني استحسنت التفسير .

قبل أن يكون المش ،وقبل أن يكون الدود ،كانت قطعة الجبن بيضاء ،جميلة ،رقيقة ،هشة،تسر الناظرين ،وبعد أن تلقيها ست البيت في زلعة المش تأخذ دورة تقاوم خلالها التدود ،وترفض فكرة أن تصاب بالدود،تساعدها في ذلك ست البيت في إنعاشها ببعض الإضافات لمكافحة الدود ،وهكذا إلى أن تنسى ربة المنزل ،أو ينشط الدود فيفعل فعلته النكراء ويصيب قطعة الجبن البيضاء المسكينة بالدود ،وهكذا يقع المستهلك فريسة لدود المش ،والغريب أنه يستمرئه لحبه في المش رغم دوده!

في حياتنا العملية يخرج الآدمي إلى معترك الحياة بعد تخرجه بقلب أبيض ،ونفس راضية قانعة متدينة ،يحمد الله على ما آتاه الله من فضله ،يرضى بالقليل ،وإذا ما شاهد غنيًّا أو سيارة فارهة ،أو بيتًا جديدًا  يسرع بقوله : إنما العيش عيش الآخرة ! حتى إذا ما ابتلاه الله بالمال أو بمنصب أو دابة سريعة نسي الدنيا والآخرة ،وترك نفسه إلى أصدقاء السوء وجلسة السوء وجلساء العصاري وخليلي آخر النهار فيتحول من قطعة جبنة قريش بيضاء نقية إلى قطعة جبن قديمة محاطة بالدود ،فلم يسلم بنفسه البيضاء و لا بقلبه النقي ولا بنصاعة جبهته وحب الناس له ، وسلم نفسه للآخرين بعد أن قضى وقتًا يقاوم الفساد فأصبح لا يصلح للعيش الآدمي،فيتركه أهله ومحبوه ويكسرون عليه زلعته، فما عاد يصلح لمعاملة الأنقياء الأنقياء،صار لصًّا بعد أن كان يتغنى بالشرف،وصار زيرًا بعدما تغنى كثيرًا بالعفة والنزاهة والشرف.

بس يا عم ..ودي كانت حكاية دود المش منه فيه ،خليك بقلبك الأبيض وسيبك من دود الإنس ،مسيرك تسيب زلعة المش وتترمي في أقرب سلة مهملات ،ولن ترحمك ألسنة الناس وقتئذ .

مش كده ولا إيه ؟

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: