دلائل في التقاضي وفض المنازعات  

فقه الإصلاح بين الناس

 بقلم: إبراهيم خلف الله
مِن فِقه الإصلاح صلاح النيّة، وسلامةُ القصد، وابتغاء مرضاة الله، وتجنب الأهواء الشخصية، والمنافع الذاتية.
أما مَن قصد بإصلاحه الترؤس والرياء، وارتفاع الذكر والاستعلاء، وطلب المنفعة، فبعيد أن ينالَ ثواب الآخرة، وحري ألا يُحالفَ التوفيق مسعاه.
فالإصلاحُ بين الناس مهمة عظيمة، وواجب ديني مقدس، لا يقوم به إلا أولئك الذين شرفت نفوسهم، وصفت أرواحهم.
وعلى الساعي بالإصلاح أن يتحرى العدل في صلحه؛ فلا يميل لأحد الخصمين لقوته ونفوذه، أو لإلحاحه وعناده، فيظلم الآخر لحسابه، فيتحول من مُصلح إلى ظالم، ولا سيما إذا ارتضاه الخصمان حكمًا بينهما فمالَ إلى أحدهما، وقد أمرَ الله تعالى بالعدل في الإصلاح بين الخصوم في قوله سبحانه: “فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ” [الحجرات:9].
حُجيّة العُرف
من القواعد الفقهية “العادة مُحكمة”، أو العادة مُعتبرة، وهذا من حُجيّة العُرف التي لا يستغني عنها من يُصلح بين الناس في المجالس العرفية،
وذهب جمهورُ العلماء إلى اعتبار العُرف الصحيح حُجةً، والعُرفُ الصحيحُ هو الذي لا يُخالفُ قواعد الشريعة، وإن ما تعارفه الناس وليس فيه مُخالفة لدليل من الأدلة ولا يُفوّتُ مصلحة أو يجلب مفسدة، ولا يبطل واجبًا ولا يحلّ مُحرمًا، يكون واجبًا.
والأصل في ذلك قوله تعالى: “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” [الأعراف:199].
قالَ جعفر بن محمد: أمر الله نبيَه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.
وينطلقُ القضاء العرفي من هذه الآية، وقد جاء في السيرة النبوية ما يُعرفُ باسم حلف الفضول، وقيامُ هذا الحلف يؤكد الأسباب التي تُنشأ من أجلها المجالس العرفية في الوقت الحالي، وأول قاعدة لهذا الحلف هي نصرة المظلوم ورد الحق إلى أهله. يقولُ النبي صلى الله عليه وسلم إقرارًا لفضله: (لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت). رواه الإمام أحمد.
والعُرفُ هو ما ألفه الناس وصاروا عليه في تصرفاتهم، سواء كان فعلًا أو قولًا دون أن يُصادمَ نصًا، لأن للعُرف مَكانَةً عظيمةً وشأنًا مُرتَفِعًا في تاريخ الإنسانية قديمًا وحديثًا؛ فالعُرْفُ هو المُهَيمِن، وإليه يُرجَع في فَضِّ النِّزاع بين الأفراد.
ما بين مُؤيّدٍ ومُعارضٍ
اقترنت الجلسات العرفية خلال السنوات الأخيرة، بقضايا فرض الغرامات المالية الضخمة، وتهجير الأُسر وتغريبها من محل إقامتها، فضلًا عن الفصل في بعض النزاعات الطائفية، خاصة في الأرياف، وهو ما جعلها في مرمى الانتقادات باعتبارها أداة للظلم وإطلاق الأحكام بعيدًا عن دولة القانون والدستور. وانقسمت الآراء حول المجالس العرفية إلى وجهتين، الأولى تراها وسيلة لإرساء ثقافة التصالح والمودة في المجتمع، مؤكدين أنها مصدر من مصادر التشريع، وأحد أساليب التعايش المُشترك في الدولة، كما أنها ظلت وسيلة ناجحة في التحكيم بين الخصوم.
في حين يراها الطرفُ الآخر تحديًا صارخًا لدولة القانون والدستور، مؤكدين أن الحكم العرفي ليس له تأصيل في القانون المصري الحديث، وأنها تُعمق من حجم المُشكلات والخصومات .
ويرى المُؤيدون أيضًا أن القضاء العرفي يُسهم بقدرٍ كبيرٍ في احتواء المشاكل البيئية والإقليمية، وهذا موجود بالفعل في القرى والمدن، لكنه لا يغني عن القضاء العادي، فإذا كان يوفق في حل بعض المشاكل فلن يستطيع حل جانب آخر منها، لكن رغم ذلك مطلوب ودوره فاعل في المُجتمع ومهم، لأنه يقوم بتهيئة النفوس وتصفيتها بشكل ودي لأطراف النزاع.
وهناك قضايا كثيرة جدًا تقعُ في المُجتمع بمُختلف طبقاته وفئاته، لا تنتهي خصوماتها إلا بالحل العرفي، وهناك محكمون عرفيون يؤخذ برأيهم في الفصل بين الخصومات، وتكون قراراتهم محل تنفيذ.
إن الحكم العرفي بمثابة النسخة المصرية للتحكيم الدولى، فإن أهم أدوات التحكيم الدولي، المُشارطة واختيار المُحكمين والمُرجّح، وهي نفس أدوات التحكيم العرفي، الذي يعتمدُ أيضًا على الحُجج والمُستندات المُقدمة وشهادة الشهود.
والجلسات العُرفية ناجزةٌ، وتُخفف من الأعباء المُلقاة على عاتق وزارتي الداخلية والعدل، كما أنها تُصلح بين العائلات للرجوع كأشقاء وجيران.
كما أن تباطؤ دورة صدور الأحكام فضلًا عن زيادة مصاريف التقاضي تدفعُ بعض المواطنين إلى طرق أبواب المجالس العُرفية لفض صراعات قبليّة وعائليّة.
إن جلسات الصلح العُرفية شديدة الإيجابيّة، ولا تتعارضُ مع القانون، بل تسيرُ بالتوازي معه.
فدورُ المجالس العُرفية محمودٌ إذا جاء مُكملًا لدور القانون وليس بديلًا عنه، حيث لا يمكن أن تحل المجالس العرفية محل دولة القانون.
ورفض البعض، فكرة وجود جلسات عرفية لفض النزاعات، وقالوا إنها وسيلة لإلغاء دولة القانون في مصر وطريقة للعودة لعهود التخلف والجاهلية.
وتُعقدُ الجلسات العُرفية لتكونَ عونًا للقضاء الرسمي وليست بديلًا عنه، والمبدأ القضائي فيها (البَيّنةُ على من ادعى واليمينُ على من أنكر)، وأدلة الإثبات تحتوي على مباحث وهي: الشهادة، اليمين، الإقرار، القرائن، ولها متخصصون في الجروح والإصابات والأراضي والتجارة، والعُرفُ له مبادئ، ويستمدُ الكثير من قواعده من الشريعة السمحة، فالدين والأخلاق من الأسس التي يرتكزُ عليها العُرف.
شُبهة المُحكّمين
إن التخاصمَ مما جرى على ابن آدم، والمُنازعات أمر بشري، كلٌ يرى الحقَ معه ويسعى في الوصول لتحقيقه، وغمامةُ الدنيا ودنوها عامل أساسي في قلب الحق والحقائق.
والقضاء العرفي قضاء سريع وناجز وتُحل عن طريقه أمور كثيرة تستهلكُ بالمحاكم أوقاتًا كثيرة، لكن انحرف هذا القضاء العرفي عن مساره الصحيح وركب في سفينته من هم ليسوا أهلًا له، من ناحية العلم والدين والخُلق والعُرف، وهؤلاء أساؤوا إلى العُرف وإلى الشرع، لأنهم جعلوا منه وسيلةً للتكسّب والتربّح لهم بدلًا من أن يكون ذلك تطوعًا لله ولإظهار الحق، وانقلبوا من مسمى قاضٍ عرفي إلى مُحامٍ عرفي، يُدافع عن الباطل أو الحق، لا فرق بينهما بالنسبة له، لأنه لا يبحثُ عن الحقوق، ولكن يبحث عما يضعه في جيبه من مال، أو الانتصار لنفسه وفكره وهواه وشيطانه وتغليب رأيه، وهم بذلك ارتكبوا إثمًا كبيرًا في حق الله وفى حق الناس من ضياع الحقوق، تلك حلقة من حلقات الفساد في المُجتمع في كثيرٍ من المهن “الطبيب، المُدرس، المُحامي، المُهندس…”، في غياب الضمير والوازع الديني.
إذ يقومُ المُحكم بدور القاضي والمحامي والجلاد في وقت واحد (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم)، وهذا يحدث كثيرًا في الأماكن التي لا تحرص على الحقوق وتراها من باب الوجاهة والمنظرة، وبابًا من أبواب الرزق الحرام، كما قال الشاعر:
ما يَصنعُ الزيُّ المُذهبُ بالفتى
إن كان من تحت الرداء رديءُ
كل ذلك شجعَ أشخاصًا كثيرين من عديمي الضمير والأخلاق والدين على الدخول إلى هذا المجال تحت سمع وبصر الجميع.
إن نظافة اليد والقلب شرط “المُحكم العرفى”، وهناك أزمةٌ مُنتشرةٌ بكثرة مؤخرًا في الجلسات العرفية في مصر، وهي اعتماد بعضها على مُحكمين أو مُصلحين غير مشهود لهم بالصلاح.
فأصبح بينهم السارق وشارب الخمر، وغالبًا هؤلاء من يتسببون في أحكامٍ لا تليق بموروث الحكم العرفي، لأن بعضهم قد يسعى إلى المُقابل المادي.
إن المُحكم الفاسق غير مأمون الجانب لارتكابه المُحرمات، الشرع لم يرضَ به شاهدًا في أي قضية (ممن ترضون من الشهداء) فكيف يرضى به حاكمًا يتحكم في القضايا؟.
العُرفُ الفاسد
عند حدوث النزاع والخلاف يسعى كلُ طرفٍ لدعوة مُحكمين عرفيين يلقنونه ماذا يقول وما لا يقول، بغض النظر عن الحق والباطل أو الحلال والحرام، وحجتهم في ذلك (هذا ما وجدنا عليه آباءنا)، ويقوم كل مُحكم بالدفاع عن داعيه ومُنتدبه ضاربًا بالقيم والأخلاق عرض الحائط، ويصير مُحاميًا، ولكن هذا خطأ كبير، وتصير الأمور كالمعجنة يختلطُ فيها الحابل بالنابل، ويطفو على السطح كل زاعق وناعق، فالعملة الرديئة تطردُ العملةَ الجيدةَ من السوق، وتصير الغلبة للمحتال والمراوغ والقادر على سد الثغرات التي يدعّي بها الخَصم، ومن لديه القدرة على أكل الخَصم وتزييف الواقع، لتمرسه وكثرة تجاربه.

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: