دلائل في التقاضي وفض المنازعات (3)

بقلم: إبراهيم خلف الله
وعن أُم سَلَمةَ رضي اللَّه عنها: أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: “إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ” مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. هو بشر عليه الصلاة والسلام، لا يعلم الغيب، وإنما يحكم بما شرعه الله من البَيّنة والشهود، فليتَّقِ الله صاحب البيّنة أن تكون بيّنته زورًا، وليتَّقِ الله صاحب اليمين أن يحلف على غير حقٍّ في الخصومات وفي غيرها، فالبَيّنة لا تُحلّ له الحرام إذا شهدت بالزور، وهكذا اليمين لا تُحل له الحرام، يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: مَن حلف على يمين صبرٍ هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، وفي اللفظ الآخر: مَن حلف على يمينٍ يقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍّ لقي الله وهو عليه غضبان، وفي اللفظ الآخر: مَن اقتطع حقَّ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرَّم عليه الجنة.
فالأمرُ عظيمٌ، والواجب الحذر من الظلم، سواء من طريق الخصومة والبَيّنة الكاذبة، أو من طريق الأيمان الفاجرة، يحذر المؤمن هذه الأسباب التي تُسَبِّب غضبَ الله عليه.
مثل هؤلاء مفسدون في صورة مصلحين، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) (11) البقرة.
فلا تكن فاسدًا في الخفاء ومُدعيًا للصلاح في العلن.
“وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ” (204) البقرة.
تعديل المسار
وهو ما فطن له العقلاء والحكماء، حيث يتم اختيار هيئة التحكيم باتفاق الطرفين، ويتم استبعاد سيئي السمعة ومن تدور حولهم الشبهات، ولا يقوم أحد الأطراف بدعوة المُحكمين من جانبه، ولكن لكل من الطرفين أن يرتضي من يرتضي ويتحفظ على من يتحفظ، فالمُحكم لا ينفذ حكمه إلا على راضٍ به يتولاه المُحكم برضا طرفي الخصومة، لأنهما اللذان يُعيّنان المحكم، ويجب أن يتفقا عليه، وإلا لن يُعطى صفة المُحكم، ويجب أن يكون الحكم بعيدًا عن الهوى ومُسببًا للأطراف ويُتلى أمامهم.
إن القضاء العُرفي أسرع وأنجز في حل كثير من النزاعات لأنه يعيشُ الواقع ويعيشُ ظروف الطرفين عن قُربٍ، ويرفعُ كثيرًا من الأعباء عن كاهل المحاكم، لكن طريقة التطبيق بترك الأمر أن يدعو كل طرف مُحكميه تزيد الطين بلة والداء علة، وتُشوّه الحلول العُرفية، فقد اتجه الكثير من البلاد، الذين فطنوا لتلاعب المُحكمين، إلى تعديل المسار للأفضل، وهو الاتفاق على هيئة تحكيم يرتضيها الطرفان، أما طريقة المُحامي العرفي هذه ففيها ضياعٌ لكثير من حقوق الناس ونشر للفساد في الأرض، وهذا يجعل الناس تفقد الثقة بالعُرف ورجاله ومن يقومون عليه.
فيوجد ضعاف النفوس من يتقاضون على هذا الأمر أموالًا ليحيدوا عن الحق، ويقفوا بجوار الباطل، يبيعون دينهم وآخرتهم ومبادئهم وقيمهم بعرض من الدنيا، فالأمر أصبح مجالًا للتربح والتكسب، تجد الواحد منهم يحثّ الناس على العمل بالعُرف واتباعه، وهو لا يعرف للعُرف طريقًا، ولا للحق مسلكًا، ولا للمروءة بابًا، ولا للإنصاف دربًا.
فيجب على المُحكّم أن يتجرّدَ من الهوى والتحيز، “ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله”، وألا يخشى في الحق لومة لائم، “فلا تخشوا الناس واخشون”.
صناعةُ المُجتمع
هؤلاء الذين ضلّوا الطريق وانحرفوا عن مسار الحق والعدل يجب نبذهم من قِبل المُجتمع حتى لا يتعاملَ أحدٌ معهم نهائيًا، ويجب استبعاد من فاحت رائحتهم حتى أزكمت الأنوف وفقدوا صلاحيتهم.
إن هذا الموضوع في غاية الأهمية إلا أن الجميع متجاهل له عن قصد أو غير قصد أو من قبيل تكبير الآخرين ومراعاة أشياء أخرى لا يتسع المجال لذكرها، ويغض الطرف عنها على حساب الحق والعدل.
كيف تستقيمُ الأمورُ وكل طرف من الأطراف يدعو مُحكّمين لصالحه ويتفق معهم أحيانًا على أتعاب وينصحونه بما يجب أن يقول وما يجب ألا يقول، وتتحول الجلسة العُرفية إلى ساحة لمعركة المُنتصر فيها الأعلى صوتًا والأكثر دهاءً ومكرًا، وغالبًا ما تضيع الحقوق وتخرج الأطراف أشد كرهًا لبعضها وللمُجتمع بل أحيانًا تلجأ للزور والعنف.
الأمر يحتاجُ وقتًا وجهدًا صادقًا وأناسًا موثوقًا فيهم ليسنّوا سُنة حسنة لهم ولمن بعدهم.
وفي الختام هناك حكمة تقول: حالُ رجل في ألف رجل خيرٌ من قول ألف رجل لرجل. ومعناها أن الأفعال أقوى تأثيرًا من الكلام، فلو أن رجلًا فعل موقفًا أخلاقيًا يدل على الأمانة مثلًا سيكون أقوى بشدة في آلاف الناس من ألف مُحاضرة يلقيها إنسان عن الأمانة.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: