دكتور منير لطفى يكتب : مائدة حوار د. منير لطفي صحبة الطبيب الأديب عبد المنعم الباز – الحلقة الأولى

 

مائدة حوار د. منير لطفي صحبة الطبيب الأديب عبد المنعم الباز

دكتور منير لطفى

 

* حتى أبسط الأشياء والعلاقات، تحتاج جهدا انسانيا إيجابيا متواصلا للحفاظ عليها.

*تحتاج الكتابةُ الإبداعية مناخا يسمح لليرقة بالتحوُّل إلى فراشة.

* أن تصنع لؤلؤةً أدبية، يقتضي التعرّض الطَّوْعي لجراح جديدة.

* هناك تخصصات طبّيّة، من الأفضل عمليا دراستها باللغة العربية.

* المذكّرات الحقيقية تتطلّب شجاعة الكاتب، ثم شجاعة المجتمع.

* الاغتراب تجربة ثريّة ومعقَّدة، وككلّ التجارب الإنسانية لها مكاسب وخسائر.

 

___

في الوقت الذي يقيم أحدهم الدنيا ولا يقعدها حين يكتب قصة أو ينشر مجموعة قصصية، فإن الأدب لا يعدم من يتحلى بالوقار فيكتب في صمت وينتج في هدوء طارقا أكثر من باب وزارعا نخلة في أكثر من واد، ثم يترك للقراء والنقاد مهمة رصده والكتابة عنه، وهذه هي الشهرة الحقيقية والأدب الأصيل في عصر صار فيه الكل مصنوعا إلا ما رحم ربي.
ولد د. عبد المنعم محمود الباز في ذات الشهر والعام الذي ولدت فيه الروائية الأمريكية الشهيرة دونا تارت، وهو ديسمبر عام ١٩٦٣، وتحصل على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة المنصورة عام ١٩٩٠، ثم دبلوم الأمراض العصبية والنفسية عام ١٩٩٨، ودبلوم الطب الشرعي والسموم عام ١٩٩٩، قبل أن ينضم إلى عضوية جمعية الطب النفسي التطوري.
عمل طبيبا بوزارة الداخلية المصرية، ثم طبيبا شرعيا بوزارة العدل، قبل أن ينزح إلى الكويت مطلع الألفية الثالثة كطبيب شرعي بالإدارة العامة للأدلة الجنائية، ولا زال حتى اللحظة يعيش تحت سقف الغربة بآلامها وآمالها.
كتب القصة، ومارس النقد الأدبي، وبدأ مسيرة النشر مبكرا، فخرجت أولى مؤلفاته عام ١٩٨٧، أي قبل التخرج في الجامعة. وعلى متن ست مجموعات قصصية اختار لها عناوين آسرة ومعبّرة، نال عضوية اتحاد كتاب مصر.
ومنذ عام ٢٠٠٣، شق طريقا جديدا وفريدا، بعمله كمترجم وكاتب علمي مشارك ضمن فريق مركز تعريب العلوم الصحية بالكويت، ومن خلاله أنجز كتاب (إعاقات التعلم لدي الأطفال)، و (علم النفس للممرضات ومهني الرعاية الصحية)، و (المعجم المفسر للطب والعلوم الصحية)، وغيرها.
ورغم أننا زملاء جامعة وكلية، إلا أن الكوكب الأزرق كان شرارة التعارف وبوابة هذا الحوار الذي جاء -كما سترون- عذبا وثريا..

١-آخر مجموعاتكم القصصية صدرَت قبل ثمان سنوات، هل هي مشكلات النشر، أم قرار غير معلَن بالتوقف عن الكتابة، أم حبْسة الكتابة، أم نوع من الكسل الذي وُصف به الكاتب ألبير قصيري؟

لعلّ هذا هو السؤال الأصعب الذي أتهرّب من سؤاله لنفسي. وبما أنك طرحْت الموضوع بصيغة الإجابات المتعدّدة المحتمَلة، يمكن أن أقول: كلّ الإجابات مجتمعة صحيحة.

الكتابة الابداعية في الأساس مزيج من الالتزام واللعب، وتحتاج لمناخ يسمح لليرقة بالتحوُّل إلى فراشة، وإلى جماعة ثقافية حميمة تمارس معها الشطرنج الفكري ولو بشكل أسبوعي.

في سنوات الشباب، كان الاحتدام وشغف القراءة والمناقشات والعودة مشْيا للمنزل على طول كورنيش المنصورة وطلخا من الجامعة أو قصر الثقافة، حيث تتمخّض الأفكار والانفعالات مع الخطوات في طريق حميم تستطيع المشي فيه نصف نائم،  فأصل منزلي يوميا وفي ذهني مشروع أو فكرة للكتابة.

مع الغربة الطويلة في الكويت، ضاعت أشياء كثيرة، خاصة أن الحياة الثقافية في مصر مزدحمة بالمبدعين وتتطلّب التواجد الجسدي.

عبد القاهر الجرجاني كتب مرّة: “إن الأدب لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك”، بمعنى أنه يتطلب الانغماس الانساني الكامل، وهذا شرط صعب حتى في مصر في ظروف الحياة الحالية.

أن تصنع لؤلؤة أدبية يقتضي التعرّض الطوعي لجراح جديدة وليس مجرّد نظم الكلمات حسب أصول الصناعة.  كما أكره أن أكرّر نفسي وأعيد كتابة نفس الأفكار أو نفس الأنماط الحكائية.

اللعبة صعبة، صدِّقْنى، وتزداد الصعوبة كلّما أحببْتها أكثر وكلّما رغبْت في مزيد من التجويد.. وعلى كل حال، القصص الجيّدة تطارد الكاتب وتُجبره على الكتابة.

٢- برأيكم، لماذا تَحوّل الكثيرون من كتابة القصة إلى كتابة الرواية؟

لا أدري، طبعا كلّ مبدع حرّ وأدري بتجربته وقدراته، وربما لأن الرواية تتسع لمزيد من الأفكار والرؤى التي يثريها النضج الانساني. لكن بالنسبة لي، لست مهموما بابتعاد الرواية عن إنتاجي حتى الآن. وهي طبعا تتطلب نوعا من الالتزام النفسي بمعايشة الشخصيات لفترة طويلة، إضافة لتأسيس خلفية معرفية ونفسية عن المكان والزمان وحتى اللغة، كأنك تؤسس منطقة سكنية وتوفر لها موارد الحياة اليومية، بعكس القصة القصيرة التي تمثل لحظة زمنية أو نفسية مضيئة بالمعنى في تكثيف سردي محكَم.

  ٣- كَثُر الحديث عن تعريب الطب ولا زال، ما رؤيتكم لهذا الملف القديم الذي لم يُغلق بعد؟

بداية لابد أن نعترف أن اللغة الإنجليزية ضرورة لمتابعة التطوّرات العلمية المتلاحقة في التخصصات الطبية المختلفة، وفي نفس الوقت يجب ألا نهمل التعليم والتعلُّم باللغة العربية في التخصُّصات العلمية، من ناحية لتسهيل هذا التعلُّم باللغة الأمّ، ومن ناحية لتحديث العقل العربي والثقافة العربية التي تتخيل اللغة العربية لغة خطابة وشعر وسجع فقط وليست لغة حوار ومنطق ومعلومات أيضا.

المدهش حقًّا، أن تعليم الطب في مصر الحديثة بدأ باللغة العربية في مدرسة الطب التي أنشأها محمد على باشا لخدمة الجيش بعد ظهور الأمراض بالجنود أثناء الحملات العسكرية. فقد رأى كلوت بك مدير المدرسة أنه من الأفضل توطين العلوم الطبية بترجمة المناهج الدراسية، وتم الاستعانة بالمترجمين وشيوخ الأزهر النابهين في هذه المهمة الجليلة، كما تم تشجيع الأساتذة والمتخرّجين على التأليف باللغة العربية وقد اكتشفْت في مكتبة مصلحة الطب الشرعي كتب طبية باللغة العربية صادرة في أوائل القرن العشرين، أذكر منها مثلا ” الدستور المَرعي في الطب الشرعي” و “الراحة في أعمال الجراحة”، ولعلك تلاحظ السجع في العناوين على النحو الشائع في اللغة الدارجة قبل انتشار الصحافة، بل والأهم أن هذه الكتب كانت تبدأ ب “خطبة الكتاب” كمقدّمة تحمل دلالات أخلاقية ودينية لكتاب علمي، ناهيك عن استخدام نفس الزخارف الإسلامية أو المثلّث الكتابي التراثي بكل ما يحمله ذلك من نكهة وهوية حضارية.

إضافة لذلك، هناك تخصصات من الأفضل عمليًّا دراستها باللغة العربية، حيث يتم ممارستها باللغة العربية، كما من الأفضل استيعابها باللغة الأمّ، على سبيل المثال: الصحة العامة، والطب النفسي، والطبّ الشرعي.

وقد تشرّفْت بالمشاركة في ترجمة العديد من المراجع الطبية الصادرة من مركز تعريب العلوم الطبية بالكويت التابع لجامعة الدول العربية والمكلَّف بتسهيل تعريب العلوم الطبية وتوفير مناهجها، لكن للأسف لا أشعر بوجود تنسيق حقيقي بين الجهات المهتمة بالتعريب ومنها مجمع اللغة العربية في مصر مثلا، كما لا يتم إتاحة نسخ إلكترونية مجانية على الانترنت من الكتب المعرَّبة والمترجَمة، ولابد أن نشكر هنا الجهود السورية في مجال التعريب حيث يتم التدريس فعليا هناك باللغة العربية.

٤- الطب الشرعي مَنجم للحكايات ومرآة لجانب خفيّ من المجتمع، متى نرى مذكّراتكم كطبيب شرعي؟

المذكّرات الحقيقية تتطلب مبدئيا شجاعة الكاتب، ثم شجاعة المجتمع الذي يستقبل المذكرات، ونحن للأسف في مجتمعاتنا الشرقية لا نمتلك شجاعة كافية لذلك. ولعل القصص في المستقبل تصلح لعرض بعض خبرات الطب الشرعي بما توفّره من حماية خيالية وادّعاء عدم التشابه مع الواقع، وهذه في الحقيقة أهم مزايا الأدب: أن يجسّد جوهر الأشياء بادّعاء أنه يتحدث عن أشياء أخري.

كما أتمنّى في القريب الاستفادة من كتب تبسيط العلوم لعرض الطب الشرعي في شكل قصص وحكايات ومواقف وأشكال توضيحية، ليس لأغراض الدراما كما فعل بعض الزملاء، ولكن لتسهيلها على غير المختصين، لأن هذا العلم يهمّ رجال القضاء والمحامين وحتى المتّهمين والضحايا.

٥- سُمعة الطب داخل السجون حولها علامات استفهام كبيرة وكثيرة، هل لديكم جواب حول هذه الاستفهامات التي تمسّ براءة ونزاهة الطب في مثل هذه الأماكن؟

لقد عملْت سنوات قليلة كطبيب في سجن المنصورة، وحدث هذا بالصدفة البحتة، حيث كنت أبحث عن مكان أقرب لأسرتي من التكليف الذي ذهب بي إلى وحدة ريفية في بنى سويف، وتصوّرْت أن الموضوع بضعة شهور قبل التجنيد وفرصة لرؤية السجن والكتابة عنه. ومن خلال العمل هناك، تعرّفْت على الطب الشرعي وعالمه والعاملين فيه، فالتحقْت به.

بالنسبة لعمل طبيب السجن، لا توجد عليه شبهات، لأن السجن جهة عقابية وليست مجالا للاستجواب أو التحقيق، وبالتالي لا يوجد تعذيب مثلا. لكن الواقع الذي عايشْتُه في بداية التسعينات، يري السجون المصرية بالكامل كحالة غير آدمية، فالمساجين يفترشون الأرض، ناهيك عن الزحام البشع داخل الزنزانة بكل توابع ذلك. بالطبع الرعاية الصحية الحكومية للمساجين أقلّ مما يجب مثل بقية الشعب، لكن الإشكالية أن هؤلاء ليس لهم مجال آخر لمثل هذه الرعاية، أتكلّم طبعا عن المسجون العادي وليس مساجين الفساد الذي يتصادف أحيانا وجودهم خلف القضبان. كما أن هناك أطفالا رضّع بالسجون بصحبة أمهاتهم يستحقّون ظروف حياة أفضل.

٦- هل يمكننا القول أنّ لطبّ المنصورة موقعا متميزا في عالم الأدب، أم أنه تحيُّز لا يقوم على دليل؟

عندما يسألني أحد عن اقتران الطب بالأدب؟ أردّ عادة بأن المبدعين الأطباء تظهر مهنتهم عبر لقبهم الطبي، بعكس باقي المبدعين الذين لا يكتبون المهندس أو المدرّس مع اسمهم مثلا، ولهذا يتذكّرهم الناس بمهنتهم. عن نفسي أظنّ أن سنوات الدراسة الطويلة بالكلية، ربما تسمح أكثر بالتفاعل الثقافي والسياسي ويكون الإبداع أحد النواتج الجانبية لذلك، لعلك تعرف أن الناقد الكبير إبراهيم فتحي والصحفي الكبير صلاح حافظ كانا رحمة الله عليهما أيضا طلبة في كلية الطب ثم أخذتْهُما السياسة والثقافة.

هل أتجرّأ وأزعم أن طلبة كلية طب بالضرورة لهم مستوى مرموقا من الذكاء، فإذا اقترن ذلك بوعي اجتماعي وحساسية إنسانية أصبحت معادلة الأدب لا ينقصها سوى شرارة الموهبة. وربما أيضا طبيعة الدراسة وما تمنحه لنا من نظرة متكاملة عن الحياة من تفاعل أجهزة الجسم إلى وظائف الخلايا وأشكالها وتراكيبها إلى التفاعلات المرضية والتداخلات الدوائية، كل هذا يجعلنا ندرك ديناميكية الحياة ويحرّرنا من أيّ تسلط أيديولوجي ساذج.

طب المنصورة قدّمَت أسماء هامة لعالم الأدب؛ منهم د. محمد المخزنجي و د. محمد المنسي قنديل ود. رضا البهات ود. إبراهيم البجلاتي، وستستمر في إنتاج المزيد إن شاء الله، لكنك لا تستطيع أن تمسك سببا موضوعيا محدَّدا لذلك.

٧- بم أفادتْك تجربةُ الاغتراب الطويلة في الكويت؟

الاغتراب تجربة ثريّة ومعقَّدة، وككل التجارب الإنسانية لها مكاسب وخسائر.. المكاسب المادية واضحة طبعا، وأيضا كمية الوقت المتاح؛ حيث لا تكون مضطرا لعمل إضافي وفتح عيادة.

في المقابل هناك الاسترخاء التدريجي، وما يشبه السمنة الفكرية، والابتعاد النفسي عن الحياة إلى العالم الافتراضي. تحرّرك الغربة أيضا من مسلَّمات فكرية متوارَثة، وتجبرك على عقد مقارنات بين الدول والمجتمعات، والأهم أنها تذكّرك بمصادفات هويتك الشخصية؛ فماذا لو كنت قد وُلدت في مجتمع آخر بلغة أخرى أو دين آخر؟

تحتاج للتأكّد بين الحين والآخر هل اختياراتك هي اختياراتك أنت حقا أم الاختيارات التي توجّب عليك اختيارها؟

الغربة الخليجية هي منطقة راحة، وبالتالي هي منطقة فخّ . والمشكلة أنك لا تعرف هل ستستمرّ لعام إضافي فقط، أم ستواصل الغوص في الرمال الناعمة للدينارات؟ تبني منزلا في الوطن، لكن كتبك وأحلام شبابك مجمعة في كراتين مغلقة في انتظار تقاعدك.

٨- متى ينهض الشاطر حسن من خيبته؟

” الشاطر حسن يخيب” كان عنوان مجموعتي القصصية الأولى التي نشرتُها في سلسلة إشراقات أدبية عام 1987 قبل تخرّجي من كلية الطب.

وكما هو واضح من عنوانها، فإنها معارضة لفكرة النهاية السعيدة للحكايات الشعبية، فالشاطر حسن حين يتزوّج ابنة السلطان يتعرّض لمؤامرات رجال القصر لأنه ببساطة لاعب خارجي تسلّل لملعب السلطة. وهذه أزمة الفرد مع المؤسسة، ومأزق حلم الخلاص الفردي أو التغيير من خلال أفراد. ينهض الشاطر حسن من خيبته إذن، حين يعود لأهله وجماعته الحقيقية، ويدخلون كلهم القصر رغم أنف الحرس.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: