دكتور علاء الدين حافظ يكتب : احتفالات شم النسيم في الحضارة المصرية القديمة

احتفالات شم النسيم في الحضارة المصرية القديمة

دكتور علاء الدين حافظ

 

شم النسيم من أقدم الأعياد الشعبية في التاريخ، يفخر به المصريون ويحرصون على الاحتفال  به سنوياً، حيث اعتبروه قديماً بداية الخلق وأول الزمان واتخذوه رأسا لسنتهم غيرالزراعية “السنة المدنية”،وأقام المصريون الاحتفالات والطقوس بعيد شم النسيم، ثم انتقلت الاحتفالات بالعيد الى الحضارات البابلية، والفينيقية، والفارسية وحتى يومنا هذا.

وقسّم المصرى القديم السنة إلى ثلاثة فصول،وربطها بالدورة الزراعية التي اعتمدت عليها حياته وأطلق عليها كلمة “رنبت”، والفصول هى :

(فصل الحصاد)” شمو” ويبدأ في مارس، ثم (فصل الفيضان) “آخت”ويبدأ من يوليو إلى أكتوبر، ثم (فصل بذر البذور) “برث” ويبدأ في نوفمبر.

وعيد شم النسيم يأتي على قائمة الأعياد الزراعية في مصر القديمة، فهو ذا صبغة اجتماعية ويرتبط بالطبيعة والحصاد، ويرى بعض المتخصصين في اللغة المصرية القديمة أن لفظ     “شم النسيم” ينطوي على تركيب لغوي كامل في اللغة المصرية القديمة هو”شمو” (حصاد)- أن (ال)-” سم” (نبات) ، في دلالة واضحة على عدم تحريف الاسم المصري الأصلي بإدخال كلمة “نسيم” العربية، التي يعرفها المعجم بأنها “ريح لينة لا تحرك شجرًا”، للإشارة إلى اعتدال الجو وقدوم فصل الربيع، وتحولت الكلمة إلى “شم” في اللغة القبطية، التي تعد مرحلة متأخرة من الكتابة المصرية القديمة، لكن بأحرف يونانية.

ومن مظاهر الأحتفال بعيد شم النسيم فى الدولة المصرية القديمة مشاركة الملك  والوزراء وكبار رجال الدولة، فهو العيد الذي تبعث فيه الحياة وتزدهر النباتات وتقوي الحيوانات، وهو بمثابة “الخلق الجديد” للطبيعة.

وكان القدماء المصريون يحتفلون بذلك اليوم في احتفال كبير حيث حددوا موعده بالانقلاب الربيعى، وهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار، وكانوا يجتمعون قبل الغروب ليشهدوا غروب الشمس، فيظهر قرص الشمس وهو يميل نحو الغروب، وكانوا ينظمون شعائر ويقومون بها فى العيد، والطواف حول المعبد، بالإضافة إلى تقديم الذبائح للمعبودات الخاصة بالزراعة والإنبات.

وكان الكهنة يحملون تمثال المعبود ويطوفون به فى موكب مهيب يشارك فيه الجميع، ويؤدى فيه المهرجون والمغنون والراقصون فنونهم، كما كانت تقام العروض المسرحية التي تصور أساطير معينة، وكان الأهالي وليس الكهنة هم الذين يحتفلون بأعياد المعبودات الجالبة للخيرات لأرض مصر الطيبة.

وكان المصريون يحتفلون كل عام بفصل الربيع على ضفاف النيل ووسط الحدائق وزيارة المتنزهات ومازالت مستمرة حتى الآن، وعمل رحلات نيلية بالقوارب على صفحة النهر الخالد.

وكانت النساء تحرصن على ارتداء الملابس الشفافة وتقمن بتصفيف الشعر واستخدام العطور لإظهار مفاتنهن، احتفالاً بعودة الربيع الذي يتميز بتفتح الأزهار، وكانت تُقابل دائمًا بفرح وترحاب من كل المصريين على مر العصور، وكانوا يحملون معهم أنواعًا معينة من الأطعمة التي كانوا يتناولونها في ذلك اليوم مثل البيض الملون، والفسيخ (السمك المملح)، والخس والبصل والملانة (الحمص الأخضر)، وهي أطعمة مصرية ذات طابع خاص وارتبطت بمدلول الاحتفال بذلك اليوم – عند المصريين القدماء- بما يمثله عندهم من الخلق والخصب والحياة.

وتعود عملية تلوين البيض وزخرفته إلى عصور وعقائد قديمة،حيث كانوا ينقشون على البيض الدعوات والأمنيات في عامهم الجديد ثم يجمعون البيض ويضعونه في سلال من سعف النخيل ويعلقونه في شرفات المنازل وعلي أغصان الأشجار في الحدائق حتى يسطع عليها إله الشمس رع بأشعته فتنال بركة الإله فتتحقق دعواتهم ويبدأون العيد بتناول البيض.

و الخس من الخضروات التي يكتمل نضجها في بداية الربيع، وظهرالخس مصوراً في السلال ليُقدم كقرابين للآلهة وقد زرعوه في الحدائق على مقربة من البيوت وكان يوضع على موائدهم في شم النسيم ضمن الأطعمة المحببة والتي تعارفوا عليها في ذلك العيد، واعتبروه من النباتات المقدسة الخاصة بالإله “مين” إله التناسل والإخصاب.

وأيضا الحمص الأخضر من ضمن الثمار والأطعمة التي تناولها المصريون القدماء في شم النسيم، وقد وردت فى برديات طبية من مصر القديمة فوائد الحمص ومزاياه وكانوا يعتبرون نضوج ثمرة الحمص وامتلاؤها بمثابة إعلان عن قدوم الربيع ومن هنا أخذوا منه اسم “الملانة”.

وصور المصريون أنفسهم على جدران مقابرهم ومعابدهم وهم يستنشقون الأزهار حبًا لسحر الزهور، إذ كان المصريون القدماء يقضون أكثر الأوقات بهجة وإشراقًا وإقبالاً على الحياة في فصل الربيع، ذلك الفصل الذي كانت تتغير فيه كل الأشياء لتنبض بالحيوية والأمل والجمال.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: