دكتور خالد سعيد يكتب: المعاني مطروحة في الطريق

المعاني مطروحة في الطريق

دكتور خالد سعيد

 

قال الجاحظ “والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقروي، والمدنيّ. وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحّة الطبع وجودة السّبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من النّسج، وجنس من التّصوير.” (الحيوان 3/67)

ولا ينقضي عجبي ممن نعى على الجاحظ قوله هذا، والأعجب من ذلك أن يصدر ممن هو ذو مكانة في النقد من المتصدرين للفتوى فيه والحديث عنه، فأسمع أحدهم يقول : دعك من قول الجاحظ كذا، ولا نتفق مع الجاحظ في عبارته ..

لقد انطلق ذلك المخطئ من ظن سقيم وفهم أعوج وبصر كليل، فقد رأى أن كلام الجاحظ سيق ليعلو باللفظ على المعنى ويرفع المصنوع على المطبوع  ويقدم الزينة على الفحوى، فيجعله بذلك إماما لمدرسة اللفظ ومذهب الصنعة في مقابل مدرسة المعنى، وكأن الضرورة تقضي بأن يكون المرء تابعا لأيهما كأنهما متضادان، ثم يطنطن صاحبنا في الرد عليه بكلام يفهم منه نصرة المعنى والانتصاف من أهل الشكل وأرباب التزيين اللفظي، حتى إن أحدهم يقول متهكما : ما زلت أسير في الطرقات منذ صغري ولم أجد أيا من تلك المعاني المطروحة.

وأقول إن ذلك فيه ما فيه من نقص العقل وقلة البصر بمنازل الرجال أولا وبحقيقة النقد ثانيا؛ أما قلة البصر بالرجال فذلك أن العاقل لا يبتدر إلى تخطئة ما جاءه من كلام الكبار دون أن يتهم طريقة النقل أو يشك في المنقول أو يتريث في الإحاطة بالخبر كاملا دون اجتزاء، فإن استوثق من ذلك جميعا فليس له أن ينطلق ناعيا مشنعا مخطئا قبل أن يشك في فهمه ويتهم إدراكه لوجه الكلام وفص المعنى  خاصة إذا كان المنقول منقولا عن مثل الجاحظ.

أما بُعده عن حقيقة النقد؛ فذلك لأن النقد فن التمحيص وعلم التثبت والتدقيق، ومخطئ كلام الجاحظ قد ابتسرت له العبارة ولم يكلف نفسه عناء تمامها فأخذها خديجة ناقصة.

ولكي نفهم قول الجاحظ على وجهه وننزله منزله وجب أن يوضع الكلام في سياقه الخاص وسياقه العام، أما الخاص فيكون بعرض سباقه ولحاقه؛ لتكتمل الصورة، ثم العودة إلى السياق العام، ويكون بتتبع أقوال الجاحظ في هذا الصدد فلا يُظلم الرجل ممن يحسب نفسه على شيء.

فالعبارة المشهورة مسبوقة بقوله “وأنا رأيت أبا عمرو الشيبانيّ وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين، ونحن في المسجد يوم الجمعة، أن كلّف رجلا حتى أحضره دواة وقرطاسا حتّى كتبهما له، وأنا أزعم أنّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا. ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك؛ لزعمت أنّ أباه لا يقول شعرا أبدا، وهما قوله:

لا تحسبنّ الموت موت البلى … فإنّما الموت سؤال الرّجال

كلاهما موت ولكنّ ذا … أفظع من ذاك لذلّ السّؤال”    (الحيوان 3/67)

ثم جاءت بعد ذلك عبارته المشهورة الخالدة و” ذهب الشّيخ إلى استحسان المعنى، والمعاني مطروحة …”

فسياق الكلام إنما يشير إلى أن أبا عمرو قد استحسن البيتين لما فيهما من حكمة وهي جيدة بلا شك، لكن النظر إلى صياغة تلك الحكمة يقطع بضعف الشاعر وأحسب أن الجاحظ أسقط الشعر لما فيه من ترهل النظم وتكرار ألفاظ دون داع فني فيكون ذلك لعجز وقله موهبة مع معرفة عامة الناس وخاصتهم بأن سؤال الرجال أشق على الحر من الموت

وإذا انتقلنا إلى عمومية رأي الجاحظ في القضية نجد الأمر يزداد وضوحا إذا قرأنا قوله “المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم، والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أموره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره. وإنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها، وأخبارهم عنها، واستعمالهم إياها. وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، وتجليها للعقل، وتجعل الخفي منها ظاهرا، والغائب شاهدا، والبعيد قريبا. وهي التي تلخص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقيدا، والمقيد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشي مجلوفا، والغفل موسوما، والموسوم معلوما.”(البيان 1/81)

فيكون معنى كلامه أن ما حيك في الصدور يظهر بما كُتب في السطور وما خفي في النفس ينجلي بما صيغ بالمنطق فتكون فضيلة الألفاظ أنها أبانت عن المعاني وعبرت عن المكنون وبلغت مرادات النفوس، فما من شك في أن الشاعر يصيب بجودة شعره ما نحسه من شعور فنقول للمبدع منهم أنه قد بلغ ما أردنا قوله لكننا لم نحسن الطريقة لقوله، وبلفظ آخر: أنه أصاب بشعره ما أردناه بشعورنا؛ فإن الناس يستوون في الإحساس بالأمر لكنهم لا يستوون في التعبير عنه

ثم يزيد الأمر إيضاحا بقوله” ثم اعلم- حفظك الله- أن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة.” (1/82)

ويقول في الرسائل الأدبية ناقدا لأهل الزينة واستكراه الألفاظ ” ما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع براعة اللّفظ وغموضه على السامع بعد أن يتّسق له القول، وما زال المعنى محجوبا لم تكشف عنه العبارة. فالمعنى بعد مقيم على استخفائه وصارت العبارة لغوا وظرفا خاليا،وشرّ البلغاء من هيّأ رسم المعنى قبل أن يهيّىء المعنى، عشقا لذلك اللفظ، وشغفا بذلك الاسم، حتّى صار يجرّ إليه المعنى جرّا، ويلزقه به إلزاقا”(الرسائل الأدبية 206)

ثم خذ مقطع الحق من قوله : “وقال بعضهم- وهو من أحسن ما اجتبيناه ودوّناه- لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك.” (البيان 1/113)

ولا يدع هذا الكلام شكا عند ذي لب ولا ترددا عند ذي رأي، فيقرر أن الرجل  ينتصر للفن ويعلي من قدر الإبداع وأن اللفظ عنده وسيله والمعنى غاية ولا غني لأحدهما عن صاحبه، وأن اللفظ عنده رسول المعنى وبريد الفكرة وريشة ترسم الخلجات وصلصال يصوغ مكنونات الضمائر، وأنه ولا يقدم شيئا على شيء بل الإبداع عنده ألا يزيد قدر الصنعة فتكون خطابا للأذن دون أن تتعداها ولا تزيد قدر الفكرة فتكون خطابا للعقول دون أن تتجاوزها وإنما يصلان معا فيكون وقع الصوت في الأذن هو نفسه وقع الأثر في القلب ولا ينشغل المتلقي بحسن نظم ويفوته جمال معنى ولا العكس.

بل إن فكرة الفصل بين اللفظ والمعنى وتفضيل أحدهما بوصفهما متصارعين هو فيما أرى فكرة من السخافة بمكان كما لا يمتاز أحد وجهي العملة على الآخر.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: