دكتور إسلام فوزي محمد يكتب: بين السيميوطيقا والترجمة في كتاب برونو أوزيمو

في كتابه “السيميوطيقا البسيطة”، يبدأ برونو أوزيمو Bruno Osimo، المترجم والأكاديمي المتخصص في علم الترجمة، بمقدمة يستهلها بحكم قاسٍ إذ يقول إن في إيطاليا وفي أوروبا الغربية لا أحد تقريبًا يعرف ماهية السيميوطيقا. وهذا الكتاب صدر حديثًا ونشره المؤلف لحسابه وعلى نفقته كما يبدو، دون دار نشر، طبعة أولى عام 2021، وفي مقدمته يستكمل حسرته على عدم إلمام الإيطاليين أو الأوروبيين الغربيين بمفاتيح هذا التخصص ويعلل تلك الحسرة بأنه فرع من العلوم المهمة التي تساعد على فهم كثير من أمور الحياة، وليس فقط الأمور الفلسفية والمجردة، لكن أيضًا أمور الحياة اليومية التي تحدث لكل شخص منّا. وفي محاولة منه أن يشرح معنى السيميوطيقا في إيجاز وبساطة يقول إنها معنى الحياة ومعنى الأشياء، ويقول إننا معتادون على استخدام تلك الكلمة “معنى”، وهذا الأمر يؤهلنا جميعًا إلى أن نكون سيميوطيقيين مبتدئين. “لكن ما معنى ذلك؟”، “ما تقوله ليس له معنى”، إنها جمل نتبادلها فيما بيننا لتعكس أن كل شخص فينا يرى فيما حوله معنى خاص. وبالتالي فإن السيميوطيقا تحاول أن تشرح هذا المعنى، كيف نشأ ومن أين اندلع وما العناصر الأساسية التي تخلقه. وبالتالي لا يهدي برونو أوزيمو كتابه للمتخصصين من الأكاديميين والأساتذة، لكن للمواطن العادي الذي يحاول أن يفهم معنى ما يحيط به من رسائل وإعلانات وما يقال في وسائل الإعلام وغيرها.

وينطلق البروفيسور أوزيمو في كتابه بتقسيم يشمل عدة عناصر أساسية وفصولًا موجزة تصل إلى 53 فصلًا؛ لعل من أهمها: التواصل، والترجمة، وماهية السيميوطيقا، والتشابه، والخصائص الثقافية: الرمز، والعلامة، والتناص، وقابلية الترجمة، وغيرها من الموضوعات الخاصة بعلم العلامات وعلاقته بالمعنى والترجمة وهي كلها موضوعات قدمها بشكل موجز يصل إلى صلب القضية في أسطر بسيطة مباشرة.

عندما يتحدث المؤلف عن علاقة التواصل بالسيميوطيقا يعرب عن لجوء البعض إلى تعريف السيميوطيقا بأنها علم التواصل، بينما على العكس يرى يوري لوتمان، وهو مؤسس سيميوطيقا الثقافة، أن هناك فرقًا بين التواصل وخلق المعنى؛ فإن كنت أوصل معلومة إليك فأنا أنقلها مني إليك، لكن إذا وضعنا هذه الظاهرة من وجهة نظر كونية، فلن تكون هناك إضافة للمعنى، بينما يأتي دور السيميوطيقا فيما أستنتجه من ملاحظة لأمر ما يؤدي إلى خلق معنى أو استلهماه. هذا ما أراد أوزيمو التعبير عنه في فصل التواصل وخلق المعنى.

بينما تحدث في فصل الترجمة عن عدم وضوح معنى الترجمة ومفهومها في مجتمعه؛ فعادة يُوضع مفهوم الترجمة في تصنيفات “اللغات”، وهناك أيضًا بعض مدارس الترجمة يطلق عليها بالخطأ مدارس اللغات. لماذا يقول المؤلف ذلك؟ لأنه من وجهة نظره بينما يتعلم الطلاب اللغات في مدرسة اللغات، فإن الطلاب في مدارس الترجمة يتعلمون كيف يفهمون الفروق بين الثقافات ويطبقون استراتيجيات لإفهام الآخر أو لتشكيل حلقة وصل بين ثقافة وأخرى. فبعض البرامج الإذاعية أو التليفزيونية، كما يضرب برونو أوزيمو الأمثلة، تعد من أفعال الترجمة إذ تجعل الأشخاص يفهمون ما لا يعرفونه حيث لا يعدون جزءًا من ثقافة ما يقدمه ذلك البرنامج المتخصص مثلًا أو البرامج العلمية على وجه التحديد التي يعد محتواها ويقدمه متخصصون في العلوم المختلفة التي تغيب عن معظم جمهور المتلقين. وفي هذه الحالة لا يترجم القائمون على البرنامج من لغة إلى أخرى أو من لسان لآخر، لكن من ثقافة متخصصة وخاصة بالباحثين إلى الثقافة العامة للوعي الجمعي الخاص بالمشاهدين أو المستمعين. هذا على الصعيد الجمعي، لكن هناك أيضًا مستوى فردي وهو مهم للغاية؛ فلكل واحد منا رؤيته للعالم، وأذواقه المحددة، واهتماماته، وما يحبه ويفضله، وخبراته وتجاربه. وإن كنت ماهرًا بالتواصل، فهذا يعني أن محاوري لديه أذواق، واهتمامات وتفضيلات وخبرات وتجارب مختلفة، وأضيف إلى رسالتي معلومات وتفاصيل قد تبدو لي تافهة أو غير ذات أهمية كبيرة أو رنانة، ولكنني أعدها مهمة لإيصال المعنى الذي أقصده. وعمومًا فإن تكوين رسالة أو تشكيل تواصل مفهوم يعني عملية “ترجمة” لرؤيتي للعالم إلى رؤية محاوريني، بناء على ما أعرفه عنهم. وبذلك فإن الترجمة لا تعني فقط الانتقال من كود أو شفرة إلى أخرى، مثلما يحدث عندما يجلس المترجمون الشفهيون (المفسرون) على طاولة مفاوضات لتسهيل عملية التواصل بين بائع (صيني على سبيل المثال) وعميل (إيطالي على سبيل المثال). ففي كثير من الأحيان في حياتنا اليومية، حتى بالنسبة لهؤلاء من غير المتخصصين في الترجمة الشفهية أو التحريرية، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لصياغة رسائل بهدف إيصال معنى أو شرح مقصد ما بأفضل صورة ممكنة، وكلما نجحنا في ذلك بشكل أكبر، كنا أكثر حضورًا في مجتمعنا. ومَن يترجم بشكل أفضل (إلى ثقافة الآخر أو من ثقافة الآخر)، ومَن يفهم بشكل أفضل، ومَن يفك شفرات الحوار بشكل أفضل ويعيد تركيب شفرات الواقع أكثر، تكون لديه فرص أكبر وأكثر لأن يصنع مسيرة عمل ناجحة وأن يجد نفسه في وضع أفضل وعلى راحته في سياق ما، أو سياقات المجتمع والسياقات المختلفة.

وفي الفصل التالي الذي وضع له برونو أوزيمو عنوان “ما السيميوطيقا” ليتحدث فيه عن ماهية هذا العلم أو هذا الفرع من العلوم فإنه يبدأ بتعريف يقول فيه إن السيميوطيقا هي مادة أو علم الترجمة. بينما تدرس علوم اللغة أو اللغويات اللغات، فإن السيميوطيقا تدرس كيف تعمل اللغات في السياق وكيف تترجم اللغات من واحدة إلى أخرى. ويمكن القول إن اللغويات وعلوم اللغة تدرس فعل اللغة أو عملها، أما السيميوطيقا تدرس ردة الفعل على اللغة. اللغويات – خاصة علم الدلالة “السيمنطيقا” – تهتم بالمعنى، بينما بالمدلول، بينما تهتم السيميوطيقا باستنتاج معنى منه. وهذا الأخير لا تعطيه التعريفات الموجودة في القواميس، لكن ينتج عن تفاعل نص مع سياق نصي. وبالاختلاف عن المدلول، فإن المعنى لا يكون مشفرًا أو مكودًا، لكن تعطيه الظروف التي حدث فيها الخطاب. إن أي فعل أو نص يتشكل معناه وفقًا للسياق التي تم فيه الحدث، أو نطقت فيه الرسالة المقصودة. فإن المعنى ثمرة ترجمة للمدلول في سياق محدد. وبالتالي فإن السياق هو “الموقف الذي يدور فيه الحدث أو الفعل الاتصالي أو أي ظاهرة، حتى تراكم المعارف والاعتقادات والمزاعم المشتركة للمُرسِل أو للمتلقي، الذين يقودان معًا عملية فهم الفعل الاتصالي”. ولذلك فإن السيميوطيقا تنشغل بالتفاعل الذي ينتج عنه معنى، وبالعملية الترجمية الضرورية لاستنتاج معنى من ظاهرة ما. فإن الاتصال والتواصل لا يتأتى مطلقا من بيئة عقيمة تنحصر في كتب القواعد الجامدة: ففي هذه الكتب نضع أمثلة مصنوعة أو مصطنعة تخدم لعرض أمثلة لمَن يجب أن يتعلم لغة ما. وفيها نتحدث غالبًا عن أنظمة قواعد نحوية. وكثيرون ممن يتعلمون اللغة ينتهي بهم الأمر بالظن، أو بالأحرى يقتنعون بأن هذه القواعد النحوية وضعت قبل اللغة نفسها، لكن الأمر ليس كذلك. فإن الأشخاص البسطاء يتبادلون الرسائل منذ القدم اولًا عن طريق الإشارات، ثم الأصوات، وفي النهاية عن طريق الكلمات، التي تنشأ بتلقائية من الحياة اليومية للبشر. وفي مرحلة لاحقة يحاول علماء اللغة والقواعد والنحو أن يضعوا في ترتيب منطقي تلك الظاهرة التلقائية للغة ويشرعون في تحديد نظامية محددة أو ثابتة يطلقون عليها مصطلح “قواعد”. ولذلك في يرى أوزيمو أنه لا يعنيه هنا أمر القواعد مطلقًا، لكن ما يعنيه هي أنواع التفكير الذي نقوم به عندما نكون في حالة اتصال مع علمية الفهم لرسالة وعندما نحاول أن نصيغ رسالة بدورنا. ففهم رسالة ما يعني ترجمتها إلى لغة رؤيتنا للعالم.

واستمر برونو أوزيمو في ربط علم العلامات بالترجمة في الفصول التالية والوصول إلى طرق التفكير ثم المرور بأمور فكرية ولغوية إلى الوصول إلى فصل مثل “القابلية للترجمة” وفيه يبدأ بعبارة تؤكد على دور الترجمة ووجودها في كل أفعالنا اليومية تقريبًا، لأننا إذا رأينا الواقع نلاحظه ونحاول أن نترجمه إلى منظورنا كي نستطيع أن نضعه في إطار مفهومنا واستيعابنا للعالم الذي نعيش به. وبالتالي ينهي ذلك الفصل بالوصول إلى نتيجة مهمة وهي أن كلمة “قابلية الترجمة” قد تعني قابلية ترجمة نص ما، أو شعور ما، أو رغبة ما، وبالتالي عندما يكون هناك نص معقد فإن درجة صعوبة ترجمته تكون أعلى لأننا نقيس عدة عناصر فيه ومدى قابليتها للترجمة بمفردها ثم كذلك وهي مجتمعة معًا، وخاصة إذا كان العنصر الثقافي غريبًا، فتكون الصعوبة في نقل هذا الشيء الغريب على عقل من عقل مغاير له ثقافيًا.

ونهاية فإن كتاب مثل هذا أثار في ذهني قضايا فلسفية لغوية متعلقة بالترجمة وعلوم اللغة وكيف نحن بحاجة إلى القراءة وعقد جلسات الحوار باستمرار حول هذه القضايا اللغوية المتشابكة والمشتركة والعلوم البينية ووجود كل هذا بطبيعة الحال في العلوم الإنسانية كافة وخاصة في علوم اللغة من أدب ولغة وترجمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: