دكتورة صفاء مصطفى علي تكتب: عودة الروح وعذاب القبر ونعيمه حقائق لا يتطرق إليها شك

لقد دلَّت النصوص على عودة الروح إلى الميت عودة غير مألوفة ومعتادة للنواميس والقوانين التي اعتادها الناس في الدنيا، فيُسأل سؤال الملكين، ويُنعَّم إثر ذلك أو يُعذَّب. وما دامت عودة الروح إلى الميت بهذا المفهوم عودة غير مألوفة لما طُبعَ عليه العقل في الدنيا، فلا حاجة إلى موقف العقل؛ لأنه يُحكَّم فيما يدركه.

وعليه فعذاب القبر ونعيمه حقيقة لا مراء فيها، وعقيدة لا يجب أن يتطرق إليها شك، وقد قال أبو حنيفة:” من قَالَ لَا اعرف عَذَاب الْقَبْر فَهُوَ من الْجَهْمِية الهالكة لِأَنَّهُ أنكر قَوْله تَعَالَى {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} . يَعْنِي عَذَاب الْقَبْر، وَقَوله تَعَالَى {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ} . يَعْنِي فِي الْقَبْر” .

ويشدد الإمام الطحاوي على ضرورة الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وأنه لا يشك في ذلك إلا كل جاحد منكر وحذر من مغبة الحديث في أمر لا تستوعبه العقول البشرية القاصرة لأنه لا يمكن لها الوقوف على كيفية العذاب والنعيم في القبر، فيقول:” وَالشَّرْعُ لَا يَأْتِي بِمَا تُحِيلُهُ الْعُقُولُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَأْتِي بِمَا تَحَارُ فِيهِ الْعُقُولُ. فَإِنَّ عَوْدَ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ لَيْسَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْهُودِ فِي الدُّنْيَا، بَلْ تُعَادُ الرُّوحُ إِلَيْهِ إِعَادَةً غَيْرَ الْإِعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ فِي الدُّنْيَا” .

ففي الحديث نص صريح بعودة الروح إلى الميت:” فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ” ذاك قول المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعلبه فإن النصوص القطعية المتواترة لتؤكد عذاب القبر وسؤال الملكين، وعلى المسلم تلقي هذا بالقبول والتصديق” فعذاب القَبْر ونعيمه ثابتٌ في الأَخْبَارِ، وليس في بدائه العقل ما يدفعه، بل تلك الأخبارُ موافقة لأحكامِه أتمَّ الموافقة” .

  1. رؤيا النائم.

إن روح الميت لا تنفصل عنه بعد موته انفصالا تاما، ليحصل للبدن الشعور بالنعيم أو العذاب، كحال النائم، فقد يرى من الرؤى ما يسر لها وينعم بها، ويجد أثرها في نفسه، فإذا استيقظ حزن على فواتها، وفي المقابل إذا رأى ما يخيفه أو يحزنه، ويجد من ذلك أثرا سيئا على نفسه، حمد الله إذ أيقظه منها، وقد أنقذه من شر كبير!

إننا هنا بإزاء نعيم وعذاب يجريان على روح النائم، وليس على جسده، وهو معلوم للجميع لاعتياده، فلا ينكره أحد، رغم أن الروح هي التي تتنعم أو تُعذب. إذن، فلماذا ننكر عذاب القبر؟!

  1. قد يموت الإنسان ويبقى جسده زمناً

وهذا ثابت في حياتنا اليومية ويقع لبعض الناس، فقد تفتح القبور على بعضهم فتجد أجسادهم على حالتها، ويروي الإمام البخاري في صحيحه طرفا من هذا الذي ذهبت إليه الباحثة فيقول: عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، قَالَ:” لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنِّي لاَ أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، «فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ” .

  1. الدور ثلاث: دنيا، وبرزخ، وآخرة، ولكل أحكامها.

ذكر ابن القيم أن الإنسان في رحلته إلى القيامة يعيش ثلاث دور: الأولى دار الدنيا، والثانية دار البرزخ، والثالثة الدار الآخرة، ولا شك أن لكل دار نواميسها وطبيعتها التي تختلف عن الأخرى.” وَجعل أَحْكَام البرزخ على الْأَرْوَاح والأبدانُ تبعا لَهَا فَكَمَا تبِعت الْأَرْوَاحُ الْأَبدَانَ فِي أَحْكَام الدُّنْيَا فتألمت بألمها والتذت براحتها وَكَانَت هي الَّتِي باشرت أَسبَاب النَّعيم وَالْعَذَاب تبِعت الْأَبدَانُ الْأَرْوَاحَ فِي نعيمها وعذابها…” .

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: