خمسة فناجين قهوة

خمسة فناجين قهوة

بقلم: محمود حمدون

 

بينما يستعد مؤذن مسجد يجاور مقهى ” الُقللي”, لرفع أذان العشاء, كاد فنجان قهوتي يصل إلى ما دون النصف بقليل, أتأهب للرحيل, أتحسس جيبي لدفع الحساب.. قطع شيخ أظنه تجاوز الستين بسنوات, نهر الطريق, أقبلَ عليّ بجسده المنحني للأمام, بكل ما يحمله الناس الآن من هموم على كتفيه, بشيخوخته الزائدة عن حدها. حين رأيته توهمته ضيفًا, رحّبت به, نهضت من مجلسي نصف قومة, مددت له يدي, فتناولها بأنامله في ردّ جاف, ثم جلس أمامي, يضم رجليه, يبسط يديه على ركبتيه, قال: أعلم عنك الكثير, أتابعك, أقرأ لك.

-أهلًا بك, قهوة أم شاي؟

ردّ: أكتب عنيّ.

قلت: عذرًا, ماذا تقصد؟

– صمت هنيهة, ظل خلالها وجهه خاليًا من التعبيرات البشرية العادية, ثم قال: أرغب أن تكتب عني قصة. عدل من وضع جسده, رفع ذقنه لأعلى جهة يمينه, أرخى جفنيه كمن يتصنّع التفكير العميق أو الغموض!

ظللت جالسًا أمامه, تتلاعب بي الحيرة, أفحصه من رأسه نهاية لقدميه, أحاول قراءته. أن أسبر أغواره, غير أنه كان أقرب إلى تمثال جرانيتي.. أخرجني من شرودي, مجيء الجرسون, بيده ورقة بيضاء وقلمًا, ناولني إياهما وهو يقف جوار رأسي, مال عليّ وهمس بصوت مسموع: أكتب عن الرجل, كن موضوعيًا فيما تكتب. أتدري أن المقهى يغص بكُتّاب القصة ومحترفي القلم, يكفيك فخرًا وتيهًا أن الرجل وأومأ إلى القاعد أمامي, وأكمل: اختارك أنت بالتحديد وترك الكل, فلا تُخيّب ظنه فيك ولا ظنّي, ثم بتأفف قال وهو يستجيب لنداء أتاه من زبون: ارتق وكن على قدر هذه المسئولية العظيمة.

أدرت بصري بين الرجلين فترة, القلم في يدي, الورقة البيضاء بعدما وضعتها على حجري كانت مبللّة بقطرات من عرق تسللت من جبيني, عبرت رقبتي وذراعيّ إليها من الخجل. غير بعيد يقف النادل, يحمل صينيه ألومنيوم, تتراص عليها أقداح, وخمسة وفناجين قهوة مقلوبة على وجوهها, أمامي الشيخ في جلسته الغريبة, ترتفع ذقنه في الهواء حتى تجاوزت في سموّها كافة من أعرفهم من الناس.

سألتُه: يا راعاك الله, أعطني بعض تفصيل عن حياتك.. لكني لم أكمل عبارتي, إذ قاطعني الاثنان في صوت واحد: لا, أسْلِم نفسك لرياح الخيال, أكتب ولا تهدر الوقت. تذكر أن خيبة الرجاء لا تقل عن كسر الخاطر في ضررها الواقع على المرء.

-قلت للضيف بتودد: لكني لست أعرفك؟

بالنيابة عنه, ردّ صبي القهوة: هل تعرف كل الناس؟ هل أنت على دراية بالمارة من حولك بخاصة عن تكتب عنهم؟ بل عل تعرف نفسك حق المعرفة؟

-لكن..

ظل الشيخ صامتًا, الآخر يردّ عنه, قال: لا لكن ولا غيره.

قلت: لا تجوز الكتابة تحت ضغط أو قهر. وأنا لم أعتد على ذلك.

أجهزت على آخر رشفة من قهوتي, وضعت الفنجان برفق على وجهه في طبقه, التفتُ إليهما, غير أني لم أجدهما. لقد عاد النادل إلى مقهاه وزبائنه, كان الشيخ يعبر الطريق هرولة للجانب الآخر, ثم دلف بخفّة لا تناسب حالته الجسدية إلى رواق محطة السكة الحديدية, بينما الورقة البيضاء تستقر على حجري كخرقة بالية, القلم على الطاولة, ضغط رهيب يعتصرني ويتصاعد ببطء من أعماقي.

بينما الجرسون يميل بجزعه على أحدهم, يهمس له بما شاء وهو يشير لبعيد حيث بوابة المحطة,, فأدركتُ أنا أيضًا .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: