حينما يكون السرد موجعا ممتعا؛ قراءة في “أنفاس مستعملة “للكاتبة غادة صلاح الدين ( 3 )

حينما يكون السرد موجعا ممتعا؛ قراءة في "أنفاس مستعملة "للكاتبة غادة صلاح الدين ( 3 )

الأستاذ الدكتور محمد دياب غزاوي

وفي الورقة الممهورة تتحدث عن قضايا الفساد والرشوة والاستيلاء على أراضي الدولة, والمحسوبية, والعمولات, والتربح, وما تقوم به هيئة الرقابة الإدارية من دور بارز في هذا الإطار, ومن طرف خفي تعالج القصة خداع المظاهر وهذا التدين الظاهري, من هذا الموظف الذي يصلي ويؤم الناس بل يحج البيت لكنه في النهاية مرتش, بدلا من أن يلبس ملابس الإحرام, سرعان ما يرتدي ملابس الإجرام! مما يجعلنا نؤكد أن الدِّيْنُ الْمُعَامَلَةُ وأنه لَا يَنْبَغِي أَنْ نُقَدِّمَ الْإِسْلَامَ كَلَامًا نَظَرِيًّا فِي الْكُتُبِ وَالْمُسَابَقَاتِ, أَوْ فَلْسَفَاتٍ فَارِغَةً فِي النَّوَادِي والْمُنْتَدَيَاتِ, أَوْ حَدِيْثًا مَلُوْكًا فِي الْقَنَوَاتِ وَالْفَضَائِيَّاتِ, أَوْ تَلْقِيْنًا ذِهْنِيًّا فِي الْمَعَاهِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالْجَامِعَاتِ, وَإِنَّمَا لَابُدَّ وَأَنْ نُقَدِّمَهُ – نَحْنُ الْمُسْلِمِيْنَ – أَفْعَالًا مَلْمُوْسَةً, وَخِلَالًا مَحْسُوْسَةً, وَسُلُوْكًا مَعِيْشًا, وَأْخَلَاقًا تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ, وَتَتَزَيَّا بِالصِّدْقِ, وَتَتَسَرْبَلُ بِالْوَفَاءِ, وَتَتَّسِمُ بِالْعَدْلِ, وَتَتَّصِفُ بِالْإِخْلَاصِ, وَتَتَّشِحُ بِالْعَفَافِ, وَتَسِيْرُ بِالْكَرَمِ, وَتَنْطَلِقُ بِالْعِلْمِ, وَتَحْيَا بِالشِّيَمِ, وَتَبْأَى بِالْقِيَمِ, وَتَتَغَيَّا الْآَخَرَ, إِسْلَامًا مَنْطُوْقَا لَا شَرْعًا مَكْتُوْبَا.

إِسْلَامٌ يَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ, وَيَخْفِقُ بِالْحَرَكَةِ, وَيَتَحَرَّى النَّاسَ, وَيَصْحَبُ الْوُجُوْدَ؛ فَالدِّيْنُ الْمُعَامَلَةُ, وَمَا أَضَاعَ الْإِسْلَامَ فِي الْغَرْبِ, وَشَوَّهَ صُوْرَتَهُ عِنْدَ الْغَيْرِ, وَأَنْقَصَ مِنْ قَدْرِهِ, وَقَلَّلَ مِنْ شَأْنِهِ, وَخَلْخَلَ مِنْ أَمْرِهِ بَيْنَ الْعَالَمِيْنَ, بَلْ وَوَسَمَهُ بِكُلِّ نَقِيْصَةٍ, وَأَسْبَغَ عَلَيْهِ كُلَّ خَطِيْئَةٍ وَدَسِيْسَةٍ إِلَّا أَفْعَالُ أَهْلِهِ, وَخَطَايَا آَلِهِ, وَسُلُوْكُ الْمُتَّسِمِيْنَ بِهِ, الْمُنْتَسِبِيْنَ إِلَيْهِ.

وبالرغم من أهمية القصة فإن نهايتها غير موفقة إذا ما قيست ببقية نهايات المجموعة؛ وذلك لما فيها من مباشرة فجة, وهذا نقيض الفن, ومن ذلك قول الكاتبة” …. زال الانقباض عن قلب لطفي/ الأب, شعر براحة غريبة, وقد أمسك بيده يجمع الخيوط, تذكر أن الإنسان صندوق مغلق, ولغز محير, لا يكون أن يكون مقيما للصلاة, فعبد الرحمن مقيم للصلاة!

ثم كان الحديث عن الحب المفتقد الذي ما أن يأتي حتى يتلاشى كما في قصة الرمش الطويل فإنها تعالج رومانسيا وواقعيا الرغبة في الحياة والجوع للحنان لامرأة تخطت الستين زوجت جميع أبناءها, لكنها سرعان ما أحست برعبتها في الونس والبحث عن شريك يكمل معها ما تبقى لها من حياة, لكنها سرعان ما تموت وتفارق الحياة بعد فنرة من هذا الزواج السري وكأن الحياة تعاندنا وتأبى أن تمنحنا ما نريد رغم يسر ما نطلبه وسهولة ما نرومه إنه فقط العيش بأمان والبحث عن أنيس.

ثم تأتي قصة “والنيل شاهد”, والتي تبدؤها بلغة شاعرية ساحرة على لسان البطلة: عاودني الشوق والحنين, وتواترت الذكريات بين لمسة يد وهمسة حائرة بين اثنين, كنا معا لسنوات, عاشها قلبي الغض, على دقات قلبه رسم طريقي طريقا محفوفا بالأمل, فرشته بمشاعري, قرانا ما تيسر من سور الحب وآيات الجمال, أسامينا ما زالت محفورة كما عرفناها, سميناها شجرة الحب”

لكننا لا نكاد نعيش في هذا الجو الرومانسي الحالم حتى نصطدم بالحاضر, فنعود إلى الواقع المعيش بكل ما يكتنفه من مشاكل وآلام.

وفي دائرة شبه مكتملة, نرى أن للحقيقة أوجها كثيرا, مؤكدا على الخوف من المستقبل, وعدم الاستنامة إلى الواقع.

وفي قصة بين طريقين تؤكد أننا حينما تستغرقنا الأشياء ننسى ذواننا في خضم مشاغل الحياة, ونتمنى من ثم العودة إلى البراءة الأولى.

وفي قصة بعد الغياب ترصد الصراع بين ثقافتين, بين الجمود والتقدم, بين جيل قديم/ الآباء, الذي لا يعرف مفردات الحياة المعاصرة وجيل الأبناء الذي استوعب مفردات الحياة الجديدة والحضارة والعولمة والرقمنة والحوسبة.

وفي الخرزة الزرقة تدور القصة في أروقة المصالح الحكومية بين مجموعة من الموظفين لتعالج فضية السحر والشعوذة والدجل والقوى الخفية, وكأنه الهروب من الواقع المؤلم إلى هذا العالم الماورائي.

وقد برعت الكاتبة في لغة رامزة عن العجز في العلاقة الحميمة بقوله ” انفرد داوود بزوجته ليلا في محاولة منه للتواصل وإثبات ما يتمتع به من قوة … تقمص دور المستعمر, لكنه لم يفلح دون أن تبدي زوجته أية مقاومة تذكر

وفي السيجارة لا تزال في جيبي تتحدث عن اختلاف بين ثقافتين وحضارتين بين مصري وسويسرية, حيث يقول لها حينما رأته يحتفظ بأعقاب السجائر في جيب بدلته التي أهدتها له, فلما عاتبته قال لها: لم أعتد رمي أعقاب السجائر على الأرض في بلدك, إزاي أرميها هنا, وفي النهاية يقف الرجل حائرا بين عودته إلى سويسرا مع زوجته وبين بقاء أعقاب السجائر في جيبه.

وفي الشاب الأسمر والتي تدور في أروقة المصانع تؤكد القصة أن الحياة لن تتوقف على أحد وأن عجلة الإنتاج ستستمر بك أو بك بغيرك, ومخطئ من يعتقد غير ذلك.

وفي قصة الموعد نجد أنفسنا في صراع بين الرغبة في التستر والحاجة إلى العمل, بين الفضيلة والرذيلة, بين الحلال والحرام, الغنى والفقر!

إنها حالة الملل وصراع المظاهر, وحالة الركود التي سيطرت على الاقتصاد, ركود في كل شيء, حتى الأخلاق, مما جعلها ومن طرف خفي تعالج أيضا مشكلة الخيانة الزوجية, من زوج لا يهمه التستر بقدر ما يريد جسدا صارخا, وأنوثة نافرة.

ملحوظة:

اللغة دقيقة منضبطة, باستثاء ثلاث أخطاء: أسقط في يده, والصواب سُقِظَ

أعزب, والصواب” عزب”, استبدل ب ” حيث الأصوب وضع الباء على المتروك وليس العكس…

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: