ثقافة المقاطعة

ثقافة المقاطعة

بقلم: حاتم السيد مصيلحي

 

أثناء تفقدي لفصول المدرسة صادفتني مشادة نشبت بين تلميذين أحدهما يتناول منتجا ما، والآخر ينهاه بحجة أنه منتج محظور، أو داخل ضمن قائمة المقاطعة، الهدف لا شك نبيل، ونابع من نفس زكية عندها وازع وطني معزز بحمية قومية وإدراك حي لما يحدث في واقعنا المعاصر من انتهاكات تستهدف أمن منطقتنا العربية ككل، ولكن الأمر استوقفني وشعرت بحماقة الفكرة؛ لافتقادها آلية المقاطعة، وتأثيرها المباشر على حياتنا العامة، وخاصة في عدم وجود البدائل الفعلية، وإن وجدت لا تنافسها في جودتها، ودقة صنعها.

ثم إن غالب ما نريد مقاطعته يحمل أسماء أجنبية بموارد مصرية خالصة، أو بموارد ورأس مال أجنبي وتعمل فيه يد عاملة مصرية، فالارتباط متشابك لا ينفك، وإن مقاطعة هذا أو ذاك في عدم توفر البديل أمر يضر بمصالحنا الاقتصادية، وهجرة رؤوس الأموال، وتوقف حركة الاستثمار، وتسريح العاملين في تلك المؤسسات أو الشركات أو السلاسل التجارية بحجة خسارتها أو إفلاسها.

إن غالب ما ننتجه من صناعات خاماته مستوردة، يقتصر دورنا فيه على التجميع، أو التعبئة والتغليف كما في الورق، والشاي، والبن والصناعات الثقيلة كالسيارات بأنواعها بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى بعض الزراعات التى لم نحقق اكتفاء ذاتيا منها كالقمح، فلنقاطع إذن رغيف العيش وكافة المنتجات القائمة عليه.. لذا نحن غير جادين فيما ندعيه من مقاطعة؛ لأننا أمة ضعيفة لا تمتلك قوتها، ورحم الله الشيخ الشعراوي إذ يقول:( من كان طعامه من عرق فأسه، كان رأيه من رأسه)، فإذا أردنا مقاطعة مؤثرة فعلينا أن نوجد البدائل أولا بجدنا واجتهادنا وعرق جبيننا.

إن أردنا مقاطعة حقيقية فلنقاطع العادات الذميمة، والأخلاقيات المشينة الغريبة عن معتقداتنا وعاداتنا ، إن أردنا مقاطعة فلنلزم أبناءنا بمقاطعة الألعاب الإلكترونية الممنهجة، والمواقع التي تستنزف طاقاتهم وتضيع أوقاتهم، وتصيبهم بأمراض نفسية وعصبية وعقلية خيبت آمالنا فيهم.. إن أردنا مقاطعة فلنعيد للمرأة دورها داخل البيت، ونعدها الإعداد الجيد لتنهض بمسئولياتها….

يا سادة إن ما نسميه بالمقاطعة يفتقد للمصداقية، ولا يتعدى كونه نوع من أنواع الرفض، أو الاحتجاج غير الفاعل أو المؤثر، لأن أعداءنا يعرفون عدم قدرتنا على الصمود طويلا أمام متطلباتنا، وعجزنا الأكيد عن إيجاد البديل.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: