“بَهاء” النص 2 | الطريق الوطن البيانو الشتاء

بقلم: د. نهى مختار محمد
عرضتُ في المقال السابق بعنوان (بهاء النص بين ناقد ومبدع في زحمة المرور) لمحات من مقدمة الناقد المبدع د. محمد عناني لديوان (الرقص في زحمة المرور) (1985م) للشاعر بهاء جاهين، ولمحات من الديوان الشعري الجميل كذلك، بما حواه من قصائد فصيحة وقصائد عامية.
يقول محمد عناني عن بهاء جاهين: “إنه شاعر شاب ذو موهبة كبيرة استطاع أن يفلت من أنغام معظم المعاصرين من الجيل الذي سبقه، ونجح في أن يتخذ لنفسه صوتا متميزا ليفتح طريقا جديدا أمام جيل جديد”، وهذه شهادة كبيرة من ناقد مثقف ومترجم مبدع، أن يشهد أن لدى الشاعر الشاب حِسًّا فريدا، وتميُّزًا لا يشُق لنفسه طريقا فحسب وإنما له بصمة مميزة يشق بها طريقًا لجيله.
لكن كيف تشقُّ الطريقَ لغيركَ في حين أنك تكتب إبداعك الخاص؟
أرى أن “بهاء” قد شق الطريق لغيره حين قرَّرَ هو أن يتخلى عن الصمت والتردد والاستحياء الذي كاد يمنعه من نشر إنتاجه لقلة ثقته في جودته، حين قرّر أن يُعَبّر بحرية عن نفسه الموهوبة بكلمات شاعرة تعكس أفكاره وعواطفه ومشاعره السَّيَّارة داخل شوارع روحه، وهكذا كل مبدع، وليس بهاء فقط، من هنا يتمهّد الطريق للآخر؛ لأن هذا المبدع قد سَلَكه قَبله وأنار بعض جوانبه، وهكذا كل إنسان يسلك سبيلا جادا مُقاوِمًا الإحباطات والعَثرات حتى يلقى النجاح والتقدير، حينها هو لا يحقق مَجدًا لذاتِه فقط، وإنما هو يُقدم إليك -بطريقة غير مباشرة- صورة جاهزة مشرقة تتخذها حافزا لكَ لطَرْق الطريق نفسه، أو طريق مُشابه له، أي أن نجاح من حولكَ يمنحك الأمل والضوء، ويُضيف إليك لا يأخذ منك، ووجود منافس لك يُعدُّ أمرًا في غاية الروعة والأهمية؛ لأنه يجعلك تبذل أقصى ما في وسعك من طاقة لتُخرج أجود ما عندك لتنافسه، كما يجعلك تُفكّر في أن تختلف عنه وتتمايز، فتبدع شيئا جديدا ببصمتك الخاصة، فيُضافُ إلى الكون ألوان ونكهات جديدة.
“بهاء” شقَّ الطريق لجيله حين عبّر عن نفسِه وعنهم في قصيدة “تقرير”، وهو يكرر جملة “أنا شاب في عامي السادس والعشرين”، ويُصوّر فيها كيف يحيا الشاب في وطنه باحثا عن حُضن الوطن الضائع، لكنه مع ذلك يقاوم، هذه القصيدة التي ختمها برباعية عظيمة لأبيه الشاعر الكبير “صلاح جاهين”، في إشارة لامتداد عميق بين الأجيال التي تواجه الأزمة نفسها:
أنا شاب في عامي السادس والعشرين
قلبي أبيض/ ويداي ملوثتان
عيناي بلون السبعينات
أنا شاب في عامي السادس والعشرين
أبحث عن وطن آخر في وطني
…….
أبصرت طلابا من الجامعة
لا يملكون من الثياب/ إلا قميصا واحدا/ يبدو عليه الوقار
لكنه/ لا ينفع الإنسان في فصل الشتاء
لكنهم يمضون في إصرار/ أبناء مصر السمر/ فقراؤها النابهون/ رغم الشتاء ورغم الفقر
كم كنت يا شاعري/ كم كنت مصريا وإنسانا/ حين ارتجفت من الشتاء فقلت:
“دخل الشتا وقفل البيبان ع البيوت
وجعل شعاع الشمس خيط عنكبوت
وحاجات كتير بتموت في ليل الشتا
لكن حاجات أكتر بترفض تموت”
الشاعر في زحام المرور يبحث عن وطن آخر يضمَّه ويحتويه، لأنه يفتقد الدور الحقيقي الفاعل للوطن، فالوطن أشبَهُ بشخص يحوطك بين ذراعيه ليحصرك داخل دائرة مُحيطِه دون أن يضُمّك إليه، فتبقى هكذا بين يديه في وَضْعٍ غريب، مُحاطا بفراغ محدود وضيّق، لا هو يحتضنُك فتدفأ من برد الشتاء، ولا أنت تستطيع أن تحيا سعيدا في هذا الفراغ الخانق، فيكون الحل أن تخرج تماما من تلك الدائرة، كما خرج شاعرنا وكتب قصيدة “التقرير” هذه من نيويورك، حيث شتاء من نوع آخر.
إن الشاعر لم يتحدث عن الوطن بهذه الصورة التشبيهية التي صورتُها لكَ الآن، التي يمكن أن نضع لها عنوانا هو (اللاحضن)، إنما هذه الصورة أنقلها لك من خيالي من خلال تفاعلي مع النص ومع الواقع، وأدعوك أيها القارئ الكريم أن تتصور هذه الصورة في خيالك أيضا، تتصور أن يحيطك أحدٌ وفي الوقت نفسه لا يضمك إليه وأنت ترتجف، ثم ضع عنوانا لهذه اللوحة وشاركني إياه إذا أمكن.
جملة “أنا شاب في عامي السادس والعشرين”، أصبحَت بفضل تكرارها في القصيدة كنغمة ثابتة تكرر في معزوفة حزينة باستمرار لتحقق الترابط على المستوى الصوتي، وتحقق قيمة معنوية تثير المفارقة، عند تصوُّر شابّ في مقتبل العمر كان ينبغي أو يُفترض أن يكون سعيدا طموحا آملا مدعوما، فيكون خلاف ذلك كله، هذه النغمة المتكررة فرضَت حضورها في ديوان الشاعر، فوجدناها ظهرت مرة أخرى في قصيدة تليها وتحمل عنوانا موسيقيا من الدرجة الأولى، وهي قصيدة “البيانو”، ليوظّف الشاعر جُملته الموسيقية الأثيرة التوظيف نفسه الحامل للقيمة الإيقاعية بجانب القيمة المعنوية نفسها التي تجعل شابا في العشرين يرى نفسه عجوزا، ويرى وطنه “تَبغًا مخلوطًا بأوهام عطرية”، يقول:
أنا شاب في عامي السادس والعشرين / وأفكر في الهجرة
من ذا يخرجني من وطني؟
إني أدمنت الوطنية!
أنا شاب في عامي السادس والعشرين
لكني صرت عجوزا أحمل أكفاني
وطني
حفرة قبر تتلقاني
تتساءل وأنت تستمع إلى صولو “البيانو”، وصدى قصيدة “التقرير” مازال يتردد في الخلفية:
إلى متى سيتحمل الشاب ذو الستة والعشرين عاما برد الشتاء، وحتّام سيصبر على مجابهة أشباح الفقر؟
يظل السؤال في الأفق.. لتجد في زحام نغمات الديوان قصيدة جديدة تحتفل بالبيانو بصورة أكبر من قصيدة البيانو نفسها؛ إذ يتكرر فيها الدّال أكثر من مرة، ويرتبط بفكرة صفاء الروح، لكنه يرتبط أيضا بالشتاء، لكنه ليس الشتاء المُلهم الذي يَعزِفُ فيه البيانو لحنًا رقيقًا حالمًا يُشبه رنات سقوط حبَّات الثلج اللامعة في خارج بيت دافئ، إنما هو “شتاء الوطن” الذي يُحَسُّ في القلب والروح، في الصباح والمساء، في كل فصول العام.
يقول في “شتاء الوطن”:
أحسست في قلبي شتاء الوطن
لون الأيادي في ظلام البيوت/ وتعاسة الأقدام فوق البلاط
اُنظُر
هنا الأطفال يبتهجون بالثلج المفاجئ
الثلج غطى نصف أمريكا
لكن كل بيوتها دافئة.
لكن كيف حكَم الشاعر على كل بيوتها بأنها دافئة أمريكا؟
وماذا بعد “التقرير” و”البيانو” و”شتاء الوطن”؟
إنه ديوان شعري صغير، لكنه اسم على مسمى، “زحمة” من الأفكار والمشاعر والعواطف والإلهام، فلم يكفِه مقال واحد، ولم يوفِّه مقال ثان أكتبه الآن، فلنظل عالقين في زحمة المرور معًا حتى أراكم في بهاء مقال ثالث بإذن الله.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: