الوهم!!

الأستاذ الدكتور محمد دياب غزاوي

فلما رأته بعد حينٍ من الدهر, وانقضاءٍ من العمر, وقد تغيَّر الحال, وتبدَّل المآل, وبعد أن تشعبت بينهما السُّبل, وتشرذمت الصُّوى, وغدا كل منهما في طريق, قالت له:

هل ما زلت تتذكرني؟ أسألك, هل ما زلت تتذكرني؟!

فأطرق صامتا, وطأطأ رأسه إلى الأرض, بينما لا تزال تكرر سؤالها, وبصوت مبحوح, لا تكاد تصدق أنه ينكرها, وأنه قد نسيها, وهي لا تفتأ تكرر سؤالها بحرقة:

هل ما زلت تتذكرني؟ أسألك, هل ما زلت تتذكرني, أرجوك, أجبني, هل ما زلت تتذكرني؟!

فرد عليها وقد شرد بعيدا, بعيدا, بعيدا:

ماذا تقولين؟! أتذكرك؟! أتذكرك, أتذكرك أنت؟! بالتأكيد لا, لا أتذكرك, نعم لا أتذكر, لا أتذكر!!

فبهتت, وغشيتها الكآبة, ورانت عليها مسحة من الحزن, وصبغة من الألم! لكنه قطع تفكيرها, وأكمل كلامه, وقد تهدَّج صوته, واختنقت أنفاسه, وتسارعت ضربات قلبه, وزاد وجيب صدره, ثم نزلت عَبْرَةٌ ساخنةٌ على خدِّه الناصع, وقد اختلجت روحه, وتلجلج بوحه, ثم أردف, والآه تضطرب من أعماقه, والحنين يصطخب في آفاقه:

وهل نسيتك, حتى أتذكرك؟! وهل غِبْتِ عن عينيَّ لحظة حتى أفتقدك؟! وهل تواريت عن قلبي برهة حتى أبحث عنك؟! ماذا تقولين يا روح الروح, ويا مهوى الصدر, ويا كل الحب؟! … كيف تغيبين عني؟! وقد كنت لي كل شيء مذ عرفتك, ولا زلت حتى الآن, حتى وإن باعدت بيننا المسافات, وتوالت بنا النكبات, وافترقت بنا الصوى, وتلاعبت بنا النوى, إلى أن تفرقت أجسادنا, وتشظت بنا ديارنا, وكنا على شفا جرف هار, بيد أنك – ورغم كل ذلك – يا بؤبؤ القلب, ويا توأم الفؤاد كُنْتِ لي الهواء الذي أتنفسه, والماء الذي أشربه, كنت نبضي, وأرضي, كنت أملي, وألمي, كنت ماهيتي وهويتي, وغايتي وأوبتي, وآيتي ورايتي, وفردوسي وجنتي, وأمري وخبري, وشأني وشأوي, كنت دائي ودوائي, ونعمي ولائي, وانتمائي وولائي, وصباحي ومسائي, نعم كنت غيبي وشهودي, وشقائي وسعودي, بل كنت لي الهوى والمنى, والهوية والدنى, والصباح والمساء, والسعادة والشقاء, بل كنت لي كل شيء, حينا فقدت كل شيء!

ثم تنهد والدموع تترقرق, وهو يكمل مستغربا سؤالها:

يا الله! ماذا تقولين؟! وعن أي شيء تسألين؟! أتذكرك؟! وهل نسيتك حتى أتذكرك؟! وقد  كنت لي الحياة, حينما كنت أحيا, وهل ثمة حياة, وأنا بعيد عنك, وأنت بعيدة عني؟! لقد غدوت يا روح الروح مجلى للوجود بكل ما فيه, حتى صار كل شيء يومئ إليك, ويشير عليك, وهل نسيت يا مِقَتِي أننا كنا شيئا واحدا, نعم كنتِ أنا, وكُنْتُكِ يا أناي, كُنْتُكِ, ولا زلت, فلم تغيبي عني لحظة, ولم أفتقدك برهة, أتعرفين؟! لقد سامحتك على الهجر, وغفرت لك البعد, وتجاوزت عن فراقك لي, وتركك إياي, وهل يملك المحب غير المسامحة والغفران حتى مع تغير الحدثان؟! لقد فعلتِ ما فعلتِ, وفعل الدهر ما فعل, ورغم معاناتي وشقائي, ودنفي ولأوائي, فإن كل ذلك لم يؤثر في مكانتك عندي قيد أنملة, وما زلتُ يا حبيبتي وما عندي إلا أنت, وما سكن أحد سواك, وها أنذا أعيش على ذكراك, ولا أرى في الكون إلاك, وبعد كل ذلك تسألين: هل ما زلت تتذكرني!

ثم انتبه فجأة وقد اغرورقت عيناه, ونظر حوله فلم يجد أثرا لأحد!

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: