الوباء الصهيوني لإسرائيل في أفريقيا

الوباء الصهيوني لإسرائيل في أفريقيا

بقلم/ أحمد رمضان العيسوي (مدرس مساعد بكلية الألسن – جامعة عين شمس)

 

رغم فشل انعقاد قمة إسرائيلية-أفريقية في توغو، إلا أن تل أبيب نجحت في اختراق قارة أفريقيا من خلال بلد عربي. حدث ذلك بعد زيارة غريبة قام بها رئيس الوزراء السابق “بنيامين نتنياهو” لدولة تشاد التي لا تعد عضوًا في الجامعة العربية رغم أن اللغة العربية بها هي إحدى اللغات الرسمية. وفي تلك الزيارة قد أُعلن عن عودة العلاقات المقطوعة بين البلدين منذ عام 1972م. إضافة إلى ذلك، قام رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” بأول زيارة رسمية له في إسرائيل منذ توليه السلطة في عام 2018م. وفي الوقت نفسه، بدأت خطة التطبيع الإسرائيلي مع عدة دول عربية وأفريقية لتضييق الخناق على مصر. كان التركيز الأكبر على الحليف الإثيوبي من خلال اللعب بورقة سد النهضة والمطالبة بإلغاء الحصة التاريخية لمصر في مياه النيل، لعلمهم أن هذه من أكثر القضايا التي تشغل الدولة المصرية. وفي الحقيقة، تبدو خطة تل أبيب وأديس أبابا ناجحة حتى الآن. ويزيد على ذلك دعم إسرائيل لإثيوبيا للحصول على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي، وهذا يعد انتصارًا سياسيًا دبلوماسيًا لتل أبيب بعد محاولات عدة فاشلة في الفترة الأخيرة.

هذا الفكر الصهيوني ليس بجديد على دولة مثل إسرائيل. لطالما يود الإسرائيليون الظهور في دور الضحية، وأنهم اليد التي تمتد لكل مستضعف. يقومون بما يقومون بطرق غير مباشرة وغير شرعية في الوقت نفسه، لكنهم لا يظهرون بصورة سيئة أمام الدول الأخرى. يستمدون قوتهم ونفوذهم من استعطاف الآخرين، لذلك ففكرهم ليس اعتياديًا، ومن يعرف سياستهم يتعامل معهم بحذر شديد أو لا يتعامل من الأساس. لكن مع الأسف، وقع الكثير في ذلك الفخ، وصدقوهم بل وناصروهم على عدوانهم.

وحتى الآن، نجحت إسرائيل في إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع 46 دولة أفريقية من أصل 54، كما تمتلك 11 سفارة منها واحدة في القاهرة. وفي عام 2020م، التقى رئيس المجلس السيادي السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق “بنيامين نتنياهو” قبل خروجه من السلطة، وكان الاتفاق على السير نحو تطبيع العلاقات بينهما. كان ذلك أملًا في إقناع واشنطن بشطبه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك اللقاء بعدة أشهر، رغم السخط الشعبي الشديد الذي تلقته الحكومة السودانية إزاء ذلك الأمر.

وبخلاف الدوافع الإسرائيلية للتوغل في أفريقيا، ثمة سبب شخصي لدى نتنياهو للاهتمام بالقارة السمراء التي تحمل في سجلها التاريخي واقعة مقتل شقيقه في أوغندا بسبب عملية “عنتيبي” التي قام بها فلسطينيون عام 1976م، عندما اختطفوا طائرة على متنها 103 إسرائيلي، فأرسلت إسرائيل بعض القوات الخاصة وعلى رأسها الضابط “يوني نتنياهو” الذي لقي مصرعه جراء تلك الواقعة، وهي ذكرى لم ولن يتجاوزها نتنياهو أبدًا مثل صرح من قبل. أما عن الدوافع السياسية، فلا شك أن الجميع يعلم المخطط التي تسعى إسرائيل لتحقيقه عبر توسيع سياسة التطبيع التي تهدف لتغيير مفهوم الدول الأفريقية حول القضية الفلسطينية.

أيضًا، لا يقل البعد الاقتصادي أهمية عن البعد السياسي لتحركات إسرائيل في القارة السمراء، فهي تسعى فعليًا للاستحواذ على تجارة الألماس الأفريقي، خاصةً أنها من أكبر مصدري الألماس في العالم؛ وذلك بفضل الشبكة التي أسسها الملياردير الإسرائيلي “ليف ليفايف” المعروف باسم “ملك الألماس”. وتقدر قيمة أرباح تلك التجارة بنحو 6.6 مليارات دولار سنويًا، وهو رقم أكبر بكثير من جملة قيمة الصادرات الإسرائيلية إلى أفريقيا التي بلغت عام 2017 نحو 938 مليون دولار. هذا وقد حققت مصر في العام نفسه صادرات للقارة الأفريقية بقيمة 6.9 مليارات دولار.

في عام 2015م، فشل مؤتمر أممي لمنع انتشار الأسلحة النووية سعى لإصدار قرار يطالب إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي. كانت المفاجأة أن المقترح الذي تقدمت به مصر وبعض الدول العربية قد رُفض من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا، إلى جانب عدة دول أفريقية صوتت لصالح الجانب الإسرائيلي. لاحقًا في عام 2016م، حصلت إسرائيل على أصوات عدة دول أفريقية دعمت وصول المرشح الإسرائيلي إلى رئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة. أما المؤشر الأبرز على تعاظم التأثير الإسرائيلي هو تهديدها العلني للسفراء الأفارقة لديها إذا صوتت بلادهم لصالح الدولة الفلسطينية، وامتناع خمس دول أفريقية هي جنوب السودان وأوغندا ورواندا وبنين والكاميرون عن التصويت لإدانة القرار الأميركي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل عام 2017م.

وبخلاف السلاح الإسرائيلي المتطور الذي تحصل عليه بعض الدول الأفريقية، تُقدِّم إسرائيل الدعم التقني المتطور الذي تشتهر به في مجال الزراعة لدول عدة. ففي إثيوبيا، تدير إسرائيل 187 مشروعًا زراعيًا. وفي رواندا، تتولى شركة “إيبوني” الزراعية وضع خطة شاملة لتطوير عملية الري في البلاد. أما في كينيا، فتتشارك إسرائيل مع ألمانيا في تطهير بحيرة فيكتوريا، أكبر خزان للمياه العذبة في أفريقيا، وهو ما وفَّر الآلاف من فرص العمل في موقع البحيرة. وفي مجال الطاقة، قدَّمت إسرائيل الدعم التقني لإثيوبيا في مشروع سد النهضة، كما تبني منفردةً مشروعًا ضخمًا لتوليد الطاقة الكهربية، وقد أتاحت إمكانية الوصول إلى تقنياتها الأكثر تطورًا في مجال الطاقة لكلٍ من أوغندا وتنزانيا وجنوب أفريقيا، ما يساعد تلك البلدان على إيصال الكهرباء إلى عدد أكبر من مواطنيها. هذا وتُدير إسرائيل منذ عام 2008م منظمة صحية غير ربحية استطاعت توصيل المياه العذبة النقية إلى أكثر من مليون شخص في جنوب أفريقيا.

لا شك أن المبادرة التي أخذتها القاهرة في سبعينيات القرن الماضي قد أعطت الضوء الأخضر للتعامل المفتوح بين دول القارة وإسرائيل. والواقع أن ذلك الباب المفتوح لم يُطرق إلا حين وصل نتنياهو إلى السلطة، فأخذت تل أبيب تعمل على قدم وساق لتحييد أنصار القضية الفلسطينية في أفريقيا وآسيا، ومنحهم ما يحتاجون إليه من صفقات عسكرية وخبرات استخباراتية وتقنيات زراعية ومشاريع اقتصادية، وهي سياسة آتت أُكلها من الهند حتى أديس أبابا، معقل الاتحاد الأفريقي. ولكن في الوقت الحالي، نجد أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يعمل على إعادة توطيد تلك العلاقات التي قد ترسخت أيام الرئيس “جمال عبد الناصر” ولكنها لم تكتمل وتهشمت بعده. والواضح الآن أن ما تقوم به إسرائيل لحفظ كرامتها وتحقيق مبتغاها أمام الفلسطينيين يؤثر بلا شك سلبًا على ما كانت تحاول بناءه لسنين طويلة، وخير دليل على ذلك هو إبداء العديد من الدول الأفريقية، التي كانت قد حسَّنت علاقاتها مع إسرائيل مؤخرًا، رفضها التام لما يحدث في فلسطين المحتلة. لذلك، لم تكن فكرة إحياء القضية الفلسطينية تتعلق بالدولة وشعبها فقط، بل طال أثرها لتعيد كتابة سطور التاريخ التي حاولت إسرائيل محوها على مر العصور لدى العديد من الشعوب. لذلك ستظل القضية الفلسطينية حية في أذهاننا إلى الأبد، ولن ننسى التاريخ الأسود الذي سعت تلك الدولة اللعينة لبنائه على دماء أبناء الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: