الهوية و الأدب الروسي – الجزء الأول

الهوية و الأدب الروسي - الجزء الأول

أ.د/ دينا محمد عبده

الهوية والأدب في روسيا القيصرية

  • ازدهر الأدب الروسي الحديث في القرن ال 18 وارتبط بعصر الاصلاح علي يد القيصر بطرس الاكبر وتأثر بالمدارس الأدبية المختلفة الواردة من أوروبا الغربية مثل الكلاسيكية والواقعية التنويرية والعاطفية والرومانسية والواقعية النقدية، ولكن اانصهرت هذه التيارات في الواقع الروسي واتخذت العملية الأدبية الطابع القومي ووصل الأدب إلي ذروة ازدهاره في عصريه الذهبي والفضي في القرنين ال 19 وبداية ال 20 بل وصل إلي العالمية علي الرغم أنه احتفظ بهويته الروسية وطابعه القومي. اقتصر الأدب علي الصفوة والطبقة النبيلة، لذلك تم تقديم أرقي أنواع الأدب وبأرقي الأساليب اللغوية والفصحي الروسية. ظهرت العديد من رموز العصر الذهبي والتي أثرت علي الساحة الأدبية العالمية أمثال ألكسندر بوشكين ونيقالاي جوجال و ليف تالستوي و فيودر دستايفسكي وأنطون تشييخف. أما رموز العصر الفضي ألكسندر بلوك وآنا أخماتافا وفلاديمير مايكوفسكي وسيرجي يسنين، فقد كانوا رواداً لأدب الحداثة وأدخلوا إلي الأدب الروسي العديد من التيارات والمدارس الأدبية التي تأثروا فيها بالغرب، ولكن احتفظوا في إبداعهم بالطابع القومي وحافظوا علي الهوية الروسية

الهوية والأدب في روسيا السوفيتية

  • الأدب السوفيتي احتل مكانة عالية ومرموقة بين الأداب وتميز بالمركزية. وفي عهده كان يسود غياب الحريات وعدم وجود أي مؤسسات للمجتمع المدني، لذلك الأدب هو كان البديل الثقافي الوحيد والمعوض للشعب وكان يتحكم في تشكيل وعيه. وكان يقبع داخل التيار الواقعي الاشتراكي تقاليد الأدب الكلاسيكي والفلكلور الشعبي ولم تقتصر العملية الأدبية علي الطبقة الراقية النبيلة من الأدباء بل كانت تمثل موقف وسطي بين أدب الصفوة والأدب الجماهيري مما أدي إلي دخول أدباء كثر ينتمون لفئات الشعب المختلفة وعلي رأسهم الطبقة البروليتارية. بشكل أخر ضاقت الفجوة بين أدب الصفوة والأدب الجماهيري. لابد من الإشارة إلي أن الأدب السوفيتي كان حريصاً تماماً من تنقية العملية الإبداعية من أي تأثيرات خارجية أجنبية والاستقلال والاحتفاظ بالهوية بشكل صارم ورفض الحزب الشيوعي الحاكم أنذاك ما يعرف الأن بالعولمة وعلي الرغم من تعدد الثقافات (15 دولة) إلا أن السلطة السوفيتية لم تسمح إلا بفرض أيديولوجية واحدة وكان الأدب وسيلة للدعاية وإعادة بناء المجتمع السوفيتي الاشتراكي الشيوعي وفقا لاتجاه أدبي واحد أو مدرسة أدبية واحدة وهي الواقعية الاشتراكية.

الهوية والأدب الروسي في فترة البيريسترويكا

  • البيريسترويكا 1985-1991وتعني «إعادة الهيكلة» هي برنامج للإصلاحات الاقتصادية أطلقه رئيس الحزب الشيوعي السوفييتى ميخائيل جرباتشوف وتشير إلى إعادة بناء اقتصاد الاتحاد السوفيتى. صاحبت البيريسترويكا سياسة جلاسنوست والتي تعني الشفافية وهي سياسة الدعاية القصوى والانفتاح في أنشطة جميع المؤسسات الحكومية في الاتحاد السوفيتي سابقاً بالإضافة إلى حرية الحصول على المعلومات. تشير أصابع الاتهام إلي أن تلك السياستين أدتا إلي انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه سنة 1991.تغيرت الأمور تماماً وظهرت سياسة الانفتاح التي أثرت بدورها علي العملية الأدبية حيث تم رفع الرقابة واطلاق الحريات وتم نشر الأعمال المحظورة والممنوعة في الفترة السوفيتية كما تم الدعوة الي إزالة وإذابة كل الحدود والفروق العرقية والجنسية والاجتماعية وبالتالي التخلي عن الهوية والإندماج مع مختلف الهويات. احتلت المجلات الأدبية الورقية مثل (نوفي مير) و (زناميا) و (دروجبا ناروداف) مكانة أكثر شهرة مماسبق علي الرغم من تراجع دورالمثقفقين. ضعف مكانة الأدب بشكل عام، لم يعد يتميز بالمركزية ولا الحزبية واحتلت وسائل أخري مكانة في الحياة الثقافية وهي وسائل الاعلام المختلفة المرئية والمسموعة

الهوية والأدب في روسيا مابعد السوفيتية

1- تأثرت الهوية بعدة عوامل أهمها انهيار جميع الأطر الثقافية القديمة  وتعرض الدولة إلي أزمات اقتصادية طاحنة وأزمات سياسية (حرب الشيشان 1996م) ثم (أزمة اقتصادية 1998م) مما أدي إلي افتقار الشعب وشعور باليأس والإحباط. أثرت الأزمات علي العملية الأدبية (أزمة الطباعة و طبع الكتب) (إغلاق العديد من المجلات الأدبية) (إغلاق العديد من دور النشر) كما أضرت سياسة الخصخصة التي تم تطبيقها بالمطبوعات.وفقد الأدب الروسي مكانته العالمية والتقيم المرتفع جدا وسط الأداب العالمية وانتهت مركزية الأدب كما فقد الأدب دوره كوسيلة لتحديد المعايير الأخلاقية والإجتماعية ودورالأديب كمعلم ومربي لضمير الشعب وأخلاقه وانقسم الأدب الي الأدب الجماهيري وأدب الصفوة  أو(أدب راقي وأدب متدني) مع خضوع الأدب للثقافة الشعبية والجماهيرية وتراجع أدب الصفوة ألي أبعد الحدود وكذلك خضوع الأدب إلي اقتصاد السوق وارتفعت أسعار الكتب والمطبوعات بسبب تحرير سعر العملة، وخضعت العملية الأدبية لإقتصاد السوق والعملية الشرائية وليس لاهتمامات المثقفين. انتشرت روايات الجاسوسية و الروايات البوليسية والإثارة وكانت تناسب اقتصاد السوق

أزمة الهوية لدي شعوب الإتحاد السوفيتي السابق

  • كانت تلك البلاد جزء من الثقافة الروسية وأدباء تلك الشعوب وابداعهم جزء من الميراث الأدبي الروسي العظيم. بعد الأنهيار ظهر الصراع لديهم مابين الاحتفاظ بهويتهم واستيعابها وتدعيمها وما بين الاحتفاظ باللغة الروسية التي هي أمر أساسي في حياتهم وضروري في ابداعهم. فقد تحرروا من الكثير من القيود والرقابة الصارفة التي عايشوها في عهد الامبراطورية السوفيتية حيث اضطروا لتقديم العديد من التنازلات الفكرية والإيديولوجية لصالح النظام. بعد الاستقلال ظهرت لديهم العديد من التحديات العرقية والاجتماعية والأخلاقية

اختلفت مواقف تلك الدول من الهوية واللغة الروسية:

  • بعضها مثل استوانيا التي تعتبر نفسها ترتبط بأوروبا الغربية وليست بالكتلة الشرقية عملت علي تدعيم اللغة الروسية من خلال مهد بوشكين في استوانيا
  • في كازاخستان تسعي الدولة لتدعيم اللغة القازاقية بشكل كبير ولكن أيضا تعمل علي تدعيم الروسية فقامت بتأسيس مجلتين أدبيتين (براستور) و (نيفا) لنشر الأدب الروسي وأعمال الأدباء الكازاخ المكتوبة بالروسية بالإضافة إلي موقع مكتبة الكترونية وبوابة أدبية الكترونية.
  • في كيرجيزيا (كيرجيزستان) اتخذت الدولة اللغة القومية لغة أولي والروسية لغة ثانية، ولكن اللغة الروسية هي لغة الحديث والتعليم في المدارس والجامعات ولكن البرامج الأخبارية ولغة الميديا والمسرح والسينما والأحداث الثقافية تتم باللغتين .
  • تتجه الأمور في دولتي تتارستان وباشكيريا (دول غير مستقلة) إلي الذوبان والإنصهار في الثقافة والهوية الروسية علي حساب اللغة القومية.
  • يبقي الصراع في تلك الدول مابين الحفاظ علي الهوية أو الانصهار في الهوية الروسية أو هويات أخري ويختلف الأمر من دولة إلي دولة ومن منطقة إلي منطقة داخل الدولة الواحدة ومن جيل إلي جيل ومن مرحلة سنية إلي أخري.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: