المنتصفُ المُميت

المنتصفُ المُميت

بقلم الأديبة غادة صلاح الدين

 

نَدَى بنت جميلة في عامها الأول الجامعي بكلية الإعلام، وهي الأخت الكبرى لبنتين في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي، تزور أباها خالد الشافعي الذي تجاوز الخمسين بسنتين في نهاية كل أسبوع.

تقضي معه يومًا جميلًا يتحاوران فيه في شتى المجالات، فهو رجل مثقف للغاية مع أنه طبيب، لكن يشغله الأدب والبحث العلمي أكثر؛ فمتعة الحديث معه تجعلها تتغلب على رتابة أحداث الأسبوع مع والدتها رضوى الشيمي ذات الخمسة وثلاثين عاما، التي لا يخرج نطاق الحديث معها عن أمور المنزل والمطبخ والنظافة والمسلسلات التركية السخيفة، ما جعلها ترتبط بوالدها أكثر. تنتظر نهاية الأسبوع بفارغ صبر كي تناقشه وتحاوره في كل ما قرأت عنه وطالعته خلال أيامها مع والدتها وأخواتها.

اتجهت “ندى” إلى بيت والدها عصر الخميس، حيث أصبح يعيش كلٌّ منهما بمفرده في شقة خاصة، ويتحمل خالد كل النفقات، ولا يبخل عليهم بشيء، أخذهما حديث طويل عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وفتوحات العالم زغلول النجار وعبدالدايم الكحيل بعدما سارا على نهج العالم الشهير “موريس بوكاي”.

فوجئت بأن الساعة تعدت الثانية عشرة مساء ونسيت أن هاتفها المحمول على وضع (صامت)، ووجدت عليه عشرات المكالمات الفائتة من والدتها وأخواتها، فانزعجت وقالت:

ماذا سأقول لأمي؟! وهي التي نبهت عليَّ ألَّا أتأخر؛ كي استقبل خالي وخالتي غدا ليتناولا معنا الغداء.

اتصل خالد بمُطلقته رضوى ووضح لها سبب تأخر ابنتهما، وأن “ندى” ستكون عندها في الصباح الباكر، وكان على الجانب الآخر من الهاتف صوت رضوى يصرخ ويسب وينهر ويتهم الأب بما لم يفعله، فترك الهاتف من يديه بعد أن أغلق الخط في وجهها وأبلغ ندى أنها ستبيت عنده الليلة ولا يتعين أن تبالي بما ستفعله والدتها.

ارتعدت ندى من داخلها فلم تكن تريد لهذا اليوم الرائع أن ينتهي هذه النهاية الحزينة، ولكن ماذا تفعل في حياة فرضت نفسها عليها؟!

أبٌ مُنشغلٌ بالعلمِ والبحثِ وبالكادِ يحاول الاهتمام ببناتِه، وأمٌّ لا هَمَّ لها غير تشويه صورة الأب ليل نهار.

حاولت عبثًا أن تتحدث إلى والدها كي تنعم بدفء الأسرة، ولا مانع أن تتحمل مشاكل والدتها محدثة نفسها: “كل البيوت فيها مشاكل”.

انتظرت طلوع الفجرِ بشق الأنفس؛ ليستيقظ والدها وتصلي معه، وبعد أن انتهيا من أذكار الصباح، طلبت منه أن يلم شمل الأسرة مرة أخرى، وأن يشملهم برعايته عن قرب، وأن يوفر عليها تلك المعاناة الأسبوعية قائلة: “إنني في حاجة إليكما، كيف يا أبي أتمزق بينك وبين أمي؟! كيف أعيش بنصفين منفصلين؟! لماذا أفرح مرتين وأحزن مرتين وأعيش حياتي بوجهين؟! إلى متى أضحك معك هنا وأكون في قمة سعادتي وأصل إليها لأكون على فوَّهة بركان، وتنكسر أفراحي وتندمج بأحزاني، فلا أنا السعيدة حد الفرح ولا الحزينة حد التعاسة، أوهمتني أنه من الممكن أن نرجع للعيش سويًّا وكِدتُ أطير فرحًا مع إخوتي”.

ربت على كتفها بحنان، وقال لها: يا ابنتي لا أعلم ماذا قالت لكِ والدتك؟ تعلمين أنني تعودت معكم على الصراحة، ولا أخشى في حياتي إلا عليكم. مُشكلتي مع والدتك صعبة من عدة أوجه حين انفصلنا ذهبت معها للمأذون مُجبرًا، لا أريد أن أبتعد عنكم، وأمام تصميمها اضطررتُ أن أطلقها أمام الشيخ ولم أطلقها، فردت بذهول: “فزُّورة هذه؟!”.

قال: يا بنيتي لا فزورة ولا شيء، قال لي الشيخ: ردد خلفي، أنتِ طالق مني، فرددت خلفه متظاهرا بالحزن كي لا يسمعني -أنتِ طالب منى- وفي قرارة نفسي لم أطلقها، وكانت بالنسبة لأمك الطلقة الثالثة، واحتُسبت رسميًّا، وأمام الله لم أطلقها ورغبت فعلا أن أتخلى عن حريتي وطقوسي وأحاول أن ألم شمل العائلة مرة أخرى، وبالفعل ذهبنا لدار الإفتاء وقصصنا الحكاية، وكان الرد: لابد من عقد جديد وليس هذا بالجائز؛ لأنها شرعا زوجتي وقانونًا مُطلقتي، ولا يحق لي أن أتزوجها إلا إذا تزوجت غيري، وبين الشرع والقانون حَربٌ خفيةٌ.

خرجت “ندى” متجهة لبيت والدتها شاردة الذهن باكية، وعربد داخلها صوتٌ ساخر: نتحايل على الشرع، فتحايل القدر علينا!

ولم تدرِ ماذا حدث لها إلا وهي في المستشفى بجوار أم باكية وأب مُنهار.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: