المستشار بهاء المرّي يكتب: في بيـت جَــدِّي – الحلقة الخامسة

في بيـت جَــدِّي – الحلقة الخامسة

بقلم: المستشار بهاء المرّي

 

وحكايات كثيرة غيرها عن الزناتي خليفة، وأدهم الشرقاوي وبدران، وعوَّاد الذي باع أرضه، والشاطر حسن، وخرافات مثل قطب الرجال الذي يسكن الجميزة، وأبو رِجل مسلوخة! والجنِّية التي خرجت من الفرن تَصرخ عندما سمِعت القائمة بالخبيز تُغني فتقول:

– ياللِّي قاعدة في القَمَرة.

قُولي لخَيِّتِك نَمَرَة.

خَيِّك زعِيزَع مات!!

ولستُ أدري لماذا كان هؤلاء الناس الطيبون برغم ما لديهم من حكايات في الكرم والوفاء والإيثار على النفس، وكثير من الفضائل يحكونها للأطفال، يُصِرُّونَ على حكايات الخُرافات التي تُثير في أذهان الأطفال رُعبًا إلى حدِّ أنهم لا ينسونها مع كِبرَهم، ولكنها عادات موروثة، كأنها صارت جزءًا من الوعي الجَمعي.

مَسَارٌ جديد

عِشنا في بَيت جَدِّي إلى أن عُدنا إلى بَيتنا نحو سِت سنوات مُتصلة، أذكرُ أنَّ أمِّي وأخواتي لقينَ فيها من عنَت جَدتي الكثير، فعلى الرغم من أنَّ سيدةً كانت تأتي لتساعد في أعمال المنزل، إلا أنها فرضَت عليهن أن يَعمَلنَ مع هذه السيدة يدًا بيد، بل كانت تُكلف أخواتي بإعادة التنظيف بعد أن تكون هذه السيدة قد نَظفت وإذا قالت لها أمي إنَّ التنظيف قد حدث، تقول:

– البنات ليس لهن الراحة، لابُد أن يَعمَلن طَوال الوقت في البيت.

وإذا جاء أحد أخوالي زائرًا ليوم أو يومين يعقبهما سَفره تُكلفهن بعمل “زُوَّادة كُبرى”، أي ما لذّ، وطاب من خبز بلدي، وطيور كثيرة تُذبح وتُنظف، ولبَن رايب، يُضرَب فورًا؛ ليصيرَ جزءا منه زبدة، والآخر سَمنًا، وإذا طلبت منها أمي أن تجهز تلك السيدة أيا من هذا كانت تقول إنه “ليس لهذه أن تَطلع على مَعاشنا” تقصد الطعام والشراب واللبن والسمن، فيستمر الخبيز طَوال يوم كامل ويُكدَّس الخبر في “قُفة” أو كراتين من الورق المُقوى، يُؤتَى بها من بقال أدركتُه في صِغري، كان خفيف الظل يُحبه الناس. كان يَفتح دكانًا صغيرًا أمامه “عِشَّة” على شاطئ الترعة، وضَع فيها برميلا، به “جاز” – أي كيروسين – مما يبتاعه الناس لاستعماله في وابور ولمبات الجاز. كان رجلا، لا يعلم أحد من أين جاء إلى البلدة، لم يكن له فيها أهل، لا إخوة، ولا أخوات، ولا أعمام، ولا أخوال، ولا أي أقارب؛ فمِن قائل إنه جاء من الصعيد، ومن قائل إنه ليس صعيديًا ولكنه استطاع بحُلو حديثه ودَهائِه، أن يَستحوذ على تَعاطُف الناس وحُبهم له؛ يُداعب الزبائن بحُلو القول، ويثير طرائف مضحكة خلال البيع والشراء، يمنح هذا أجلا لسداد ثمن ما يشتريه إلى حين، أو حتى يحين موعد الحصاد وبَيع المحصول، ويُسجل في “نوتة” ما يَسحبه الزبون من بضائع، وكان يَزداد الفقراء فيما يشترون من بضاعة، حتى استحوذ على حب كبير من أهالي القرية، ثم ارتمَى في أحضان عائلة كبيرة، مَعروفٌ أن أصلها صَعيدي، وربما يكون هو نفسه الذي أشاع أن أصله صعيدي؛ ليحسِبه الناس قريبًا لهذه العائلة، ومن هنا شاعت حكاية أنه صعيدي الأصل.

كنتُ أسمع أمي وأخواتي يَنتقدن جدتي كثيرًا لقسوتها مَعهُنَّ، فيَقلن إنها في يوم “الخبيز” كلما وجَدت العجين المُعَد للخبيز قد أوشكَ على الانتهاء، تُغافلهن، وتَعجن كمية أخرى، تُضيفها إلى ما تبقى من العجين السابق، الذي كان قد أوشكَ على الانتهاء!

وكانت أمي تسألها في أعقاب كل حَصاد:

– محصول أرض الولاد أد إيه يا نينة؟

فتزجُرها قائلة:

– مَحدِّش حياكُل حقهم، خليكِ في حالِك.

فتلجأ إلى جَدِّي لتعلم مُجرد العِلم، فيقول:

– أنا أكتبُ يا بنتي ما يَخصُهم في النوتة، وفلوسِك مع نينتك في الخزنة، فكانت تَطمئن إلى قوله.

وفي نهاية العام 1969 فوجئنا بحضور أحد أخوالي بأبنائه وزوجته وأثاث منزله؛ ترك العمل في القاهرة، وقرر العيش في البلدة؛ كان ذلك بتخطيط من جدتي، بدليل أن جدي تعَجَّبَ من حضوره المفاجئ على هذا النحو.

أقام خالي في الطابق الثاني من البيت الكبير، بَيدَ أن أمي وأخواتي فوجئنَ أن زوجته وبناته الأربع، لا شأن لهن بأي أمر من أمور البيت، يأكلنَ، ويَشربنَ، ولا يُشاركنَ حتى في إعداد المائدة، ولا رفع الطعام بعد الأكل، ولمَّا تَحدثت أمي مع جدتي في هذا الأمر قالت إنهم ضيوف، وعليكِ خِدمتهم أنتِ وأولادك، حَزنت أمي، ولم تُظهر حُزنها؛ حتى لا تُغضبها.

سارت الأمور على نحو قلِق، وبدأت أخواتي في التأفف والإحساس بتمييز جدتي لبنات ابنها عليهن، بدأت أختي الثالثة وكانت أكثر جُرأة من الأخريات ترفض بعض أعمال البيت التي تُكلفها بها جدتي، وتطلب منها أن يشاركها بنات خالي، فكان جزاؤها الضرب، وإن لم يكن ضربًا مُبرِّحًا.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شَكتها زوجة خالي لزوجها، فنادى أختي بعد عودته من العمل، وسألها، فقالت ما قالته لجدتي، فإذا به يَلطمها على وجهها لَطمة قوية على مَرأى من أمي وبقية أخواتي، صَرخت أمي صرخة واحدة، خرج على إثرها جدي من الصالة؛ ليسمع ما يُوجهه خالي لها من شتائم، وسأل ما الذي يحدث، فرأى أثر الأصابع التي نتجت عن اللطمة على وجه أختي، فثار ثورة عارمة، وراح جسده ينتفض، وأقسَم بالله ألا يَبيت هو وأولاده في البيت، وأن يعود من حيث أتى، وبالفعل جاء بسيارة نقل، وحَمل أثاثه الذي جاء به وغادر بأولاده ليلا.

كان هذا الخال موظفًا مدنيا بوزارة الداخلية، وكان ميسور الحال، إلا أنه كان دائم الشكوى كلما زار والديه طمَعًا فيما تُناوله له جدتي من نقود، وما يحمله من خير وفير، تُجهزه أمي وأخواتي طوال يوم كامل، وربما طوال يومين، وخلال المشاجرة قبل صفع أختي قال لها:

– جئتُ لآكل من خير أبي الذي تأكلونه.

فكان ردها:

– نحن “نأكل من خير أبينا، جئنا هنا ببهائمنا وأرضنا ومعاشنا، هَالهُ الرد ولطَمها.

كانت جدتي سببًا في قسوة أخوالي على أخواتهم البنات الخمسة دون أن تدري؛ كانوا إذا حضروا زائرين تمنعهم من أن ينقدوا أيا من أحفاد بناتها أي نقود، وكان إذا قال أحدهم إنه، وهو في طريقه للسفر سيمُر بخالتي المتزوجة في بلدة مجاورة، تقول له:

– إنها بخير. توكل على الله على طُول”، أي غادِر مباشرة.

وذات مرة – وكان أحدهم قد جاء زائرًا – أنْ قال له جدي وهو فرحان:

– هل تعلم أن بهاء ترتيبه الأول على الفصل دائما؟

ربما قصَدَ جدي أن أسمع منه عبارة تشجيع. فقال خالي:

– “إذن يستحق مكافأة” وهمَّ بإدخال يده في جيبه؛ فانبرَت جدتي من فورها لتقول:

– “جده لسه عاطيه الحلاوة”، فأعاد خالي يده إلى جواره، ولم يعطني شيئا.

وبعد أن عدنا إلى بيتنا على إثر هذا الحدث جاء أحدهم للزيارة، وكانت إحدى أخواتي في بَيت جدي؛ لأن هذا الموقف لم يُثنِ أمي عن خدمة والديها، كانت تُرسل أخواتي لهما بالطعام بعد إعداده، وكانت تسأل عما إذا كانا يحتاجان شيئا، فسمعَت أختي هذا الخال، وهو يقول لجدتي: سأمُر بأم بهاء للاطمئنان عليها، وكان بيتنا في نهاية الشارع الذي فيه بيت جدي، فمنعته قائلة:

– أم بهاء بخير؛ امشِ بدل الولاد ما يقفوا حواليك، والمفروض تديهم حاجة”.

سمِعَت أختي هذا الحوار ونقلته لأمي. فتبسمت قائلة:

– الحمد لله، نحن في خير وفير.

بعد طرد هذا الخال الذي صفع أختي، راح جدي يعتذر في كل وقت لأمي، ويُهدئ من روعها طالبًا منها أن تسامح أخاها.

ولما هدأت الأمور طلبَت منه في هدوءٍ تام، أن نعود إلى بيتنا.

كنتُ في هذا الوقت مدركًا لم يدور من أحاديث، لم تُشعره أنَّ ما حدث هو السبب. قالت:

– والله يا بابا أنا كنت ناوية أرجع بيتنا، بهاء “بأة” راجل، والظروف جاءت مع بعضها، ولست غاضبة مما حدث”. فنزل على رغبتها واستمهلها حتى يُجهز لنا البيت.

ورغم هذا لم يغضب جدي منها، وبقي على حُبه الذي لمسناه بقلوبنا، حتى إنه بعد موت جدتي راح كل واحد من أخوالي يدعوه للإقامة معه، فرفض رفضًا باتًا، واختار أن يعيش مع أمي، ولما يرغب في زيارة أخوالي أصحبهُ إليهم بسيارتي وأعود به مرة أخرى، لم يغادرنا إلى أن مَرض وتولى أحدهم تمريضه، وتُوفِّي لديه سنة 1998، ليلة سبوع ابني الأول (أحمد).

كان أبي قبل وفاته مباشرة قد أقام لنا منزلا من الطوب الأحمر والخرسانة المُسلحة، ولكن القَدَر لم يُمهله لتشطيبه، وكان البناء على هذا النحو ليس مُنتشرا في القرية، بل كان مركز كوم حمادة جميعه ومركز كفر الزيات الذي اشتُهر فيما بعد بكثافة مصانع الطوب الأحمر ومن بعد الطوب الطفلة، لم يكن فيهما مصنع واحد للطوب الأحمر؛ كان المكان الوحيد لمصانع الطوب هو مركز دسوق، فجاء أبي بالطوب الأحمر في المراكب عَبْر فرع رشيد الذي تُطل عليه قريتنا، وكذلك دسوق، وأنزله عُمَّال من المَراكب على الشاطئ، ثم نقلته الجِمال إلى حيث مكان البناء.

هذا البناء في قطعة أرض زراعية، مساحتها قيراطان خلف بيت أبي وعمي الوحيد وعماتي الثلاث، وكان عُرف أهل القرى حتى الآن في مثل هذه الأمور أن يشتري من يستطيع الشراء جزءًا من الأرض الزراعية التي تقع خلف داره تُعادل مساحتها طولا أو يزيد، حتى لا يأتي من خلفه جار غريب. حتى لو استدان من أجل هذا.

بدأ جدي في تجهيز البيت من نجارة ومَحارة ودهانات وبَلاط؛ حيث لم يكن السيراميك قد شاع استخدامه في الأرضيات بعد، لم يعرفه الناس في هذا الوقت، إلا في الحوائط لدورات المياه والمطابخ، وكان من إنتاج شركة ليسيكو بلونين اثنين فقط، إما الأزرق، وإما الأبيض، وبمقاس واحد هو عشرين في عشرين سنتيمتر. ولما أتمَّ التجهيز عدنا إلى بيتنا.

طرْد خالي العديم الرحمة لفِعلته القاسية من بَيت جَدي على إثر ضربه إحدى أخواتي ثم عودتنا إلى بيتنا، كانا حدثين أفقدا جدتي اتزانها، فأعلنت الحرب على أمي.

بدأت الحرب بحصار اقتصادي عاجل، كان أول مظاهره أنْ حَجبَت دفتر الشيكات الخاص بمعاش والدي، ولم تَستجب لمَن سَعَوا – على كَثرتهم – في حَل هذه الأزمة وإعادته إلى أصحابه. وما أدراكَ مَن أصحابه، إنهم أطفالٌ يَتامَى، لا حول لهم ولا قوة إلا بالله القوي العليم.

كانت أمي تُوقِّع الشيك، وتُحدد المبلغ المطلوب، وتُفوض في صَرفه ابن خالتي المُقيمة بالبندر؛ حيث بنك مصر المربوط عليه المعاش، وكان شابًا قد تَخرج في الجامعة، يقبِض المبلغ ويُرسله إلى جدتي التي تُمسِك بزمام الأمور في ديكتاتورية مُطلقة، ولم تكن أمي تعلم فيمَ يُصرَف، ولا ماذا يَتبقى منه، كانتفاء علمها بأي شيء آخر غيره.

كان مَعاش الشهر الذي عُدنا فيه إلى بَيتنا قد صَرفه ابن خالتي ذاك، وسَلمه إلى جدتي قبل أن نُغادر بيوم واحد، فأرسلت أمي في طلبه منها هو ودفتر الشيكات، فرفضت رفضًا باتًا، قائلة لأختي:

– ارجعوا عندي وأنا أصرفُه عليكم.

في هذه الأثناء، عَلمَت أمي بزيارة أحد أخوالي لوالديه، فقصدته شاكية حَجب المعاش ودفتر الشيكات عنها، وكان هو الآخر مُغتاظًا لمُغادرتنا إلى بيتنا وترك أمه وأبيه وحدهما، فأجابها بعبارة قاسية تكسِر الخاطر:

– معاش إيه، دا ميكفيش مسح جذمتي.

فعادت أمي أدراجها مَكسورة الخاطر، ولكنها في هذه المرة لم تبكِ كما بكت لفِعلة أمها من قبل، ولم تيأس، وهي التي سمِعتُ منها لأول مرة في حياتي العبارة “دا حقك” عندما تَجاوَزني ناظر المدرسة في إرسال اسمي لتكريمي في الشهادة الابتدائية، وأرسل اسم الأول مكرر.

في اليوم التالي لإهانتها من أخيها، أرسَلَت إحدى أخواتي إلى خالتي التي يتولى ابنها صرف المعاش بعبارة شديدة اللهجة:

– إذا لم يأتنا المعاش غدا، ومعه دفتر الشيكات سنشكو ابنك في النيابة؛ لأنه مال قُصَّر.

فهرعت خالتي إلى الداخل، وأحضَرت مبلغًا مساويًا لقيمة المعاش أعطته لها، ثم توسطت لدى أمها ترجوها خشية شكاية ابنها، إلى أن جاءتنا بدفتر الشيكات.

كانت جدتي عنيدة حتى في مَرضها، لم تكن تؤمن بالطب والعلاج، تقول إن الذي كتبَ عليكَ المرض قادر على مَنحِك الشفاء، ولما مَرضت مرض الموت جئنا لها بطبيب الوحدة الصحية فسألها:

– إيه اللي بيوجعك يا حاجة؟

قالت في تَحد:

– موش انت دكتور قل لي أنتَ ايه اللي بيوجعنى؟

ضحك الطبيب قائلا:

– انت اللي تعرفي وأنا أوصفلك العلاج.

ولم تُجبه فعلا رغم محاولات البعض من الواقفين حولها لإقناعها بأن تتكلم. فكان أن وصفوا هم للطبيب حالتها وما ينتابها من علامات أو أوجاع قالت عنها في وقت سابق.

كنتُ أتَعجَب لأمر أخوالي وبعضهم يَشغل وظائف مرموقة كيف وهم يأتون لزيارة أبيهم وأمهم لا يسألون عن أختٍ لهم تُربي أيتامًا؛ ولو لمُجرد الاطمئنان على أحوالها وجَبر خاطرها، لم تكن في حاجة إلى شيءٍ من أحدٍ منهم، بل كانت في سِعةٍ ويُسرٍ من الله، يفوق سِعةَ ويُسر أغلبهم، كان معاش أبي وريع أرضنا – على عدم سِعتها – يكفينا ويزيد، ولكن أين مُجرد صِلة الرحم، في الوقت الذي يشاع فيه عنهم أنهم طيبون، وكنتُ لا أجد لتساؤلاتي إجابة، واستمروا على هذه الحال إلى أنْ كلفتني أمي بوصلِهم. كنتُ أداعبها، فأذكرُ لها بعضًا من هذه التساؤلات وتَجاهُلهم لها طَوال سِني تربيتنا، فتقول:

– هما اللي خسرانين والواصلُ للقاطع – عند الله – أفضل.

هذه الازدواجية في الصورة التي يظهر بها بعض الأشخاص، ذَكَّرتني بحكاية، كان يحكيها أهل بلدتي، عن رجل من بينهم، كان قد استطاع إقناع كل مَن حَوله بأنه الشيخ الشعراوي – رَحمَه الله – في وَرعِهِ وتقواه، ومَعرفته بأمور الدنيا والدين، حلالها وحرامها، وتَعامَل معه الجميع على هذا الأساس، فإذا قال ما قال كان قولُه الصَواب.

ورغم شُيوع ورَعِه هذا لدى البعض، كان البعض الآخر يحكي كيف أنه أكبر قاطِع لرحَمِه، لا يُكلم من أخواته هذه، لأنه يراها – لِخُلفٍ بينها وبين أمها سامَحتها عليه الأخيرة – عاقة لأمِّها. وقاطَع غيرها لسبب تافه، لا يؤدي إلى قطيعة، وقاطَع ثالثة لأنها لم تَشهد له في خلاف وقع بينه وبين أخ لهما بشأن قيراط أرض مباني. وقاطَع أخًا له كان له أرض بجوار أرضه، ولمَّا وجد مساحة الأخيرة أقل مما هو في العقد، اعتَقدَ أنَّ أخاه سرق قيمة هذا العجز منه وأقام ضده دعوى.

ثم يروون عنه طرفة، فيقولون إنه كان يخطب في الناس يوم الجمعة أحيانا، وكان له أرض زراعية مُؤجَرة أيام تأبيد الإيجار، فطلب من شيخ البلدة إبلاغ المستأجرين برغبته في بَيعها لهم، فقالوا له على الرَحب والسِعة وفقًا للعُرف السائد في هذا الوقت، وهو أن يدفعوا ثمنَ نِصفها، فأبلغه بما قالوا، فهاج وماج قائلا:

– دا سُحت، وحرام، حيروحوا فين من ربنا.

ثم رفضَ البيع إلى أن ألغت الدولة قانون إيجار الأرض الزراعية، ووقَفت مَوقفًا مُتشددا من رافضي التسليم حتى إنهاء المشكلة.

وتَمُر الأيام، وتموتُ أمّه قبل إلغاء قانون الإيجار، وكان لها أرض مُؤجرة، فلما ورثت أخواته فيها، وعَرضنَ عليه بيع أنصبتهن له، أجَابَهُنَّ بالموافَقة قائلا: “إنَّ العُرف السائد هو دفع نصف قيمتها” فبِعنَ له على هذا الأساس صاغراتٍ، مُتناسيًا أنه سُحْت، وأنه حرام!! وكان له زوج أخت على خلاف معه، فأشاع هذه الوقعة في البلدة كلها، بل راح يَعرض على الناس صورة من عقد البيع ليُصدقوه؛ مما حدا بأحدهم في يوم جمعة، وقد صعدَ هذا الرجل المِنبر ليخطُبَ فيهم، أن يَصعد من خلفه؛ ويُنزله من فوق المِنبر! فيا ويل من يضعه الفلاحون في أدمغتهم. إنهم لو أحبوا شخصًا رفعوه إلى عنان السماء. وإذا كرهوه، خسفوا به الأرض.

تستمر الحكايات عن هذا الرجل؛ لأنهم كرهوه، قالوا إنه لما عقد العزم على الزواج بعد مَوت زوجته، وكان قد بلغ سن المعاش بعدة سنوات، باع كل ما يملك من أرض زراعية ومباني وغيرها لأبنائه؛ حتى لا ترث فيه زوجته الجديدة. بل اقترض من أحد البنوك مبلغا كبيرا من المال، يُسدَد على أطول مدة يسمح بها البنك، حتى إذا مات، كان معاش أرملته مُحملاً بأقساط هذا القرض.

وقال آخرون من أقارب زوجته الثانية إنه إذا مرض يُعالِج نفسه في أفخم المستشفيات، أما إذا مرضت هي فيذهب بها إلى التأمين الصحي.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: