اللهجات والقراءات 

أ.د.عــلاء إسماعيل الحمزاوي
أستاذ العلوم اللغوية بجامعة المنيا

لعل من نافلة القول أن القرآن قد نزل منجما على رسول الله في ثلاث وعشرين سنة؛ لتستعد القوى البشرية لاستقبال هذا الفيض الإلهي والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه، وليس ثمة خلاف على أن أول ما نزل علي رسول الله قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، وكان رسول الله يتلو آياته على صحابته تلو نزولها، وكانوا يتلونها في مختلف عبادتهم، ثم تجردت طائفة من الصحابة لكتابة بعض آيات القرآن، وقد عُرفوا بـ”كتبة الوحي”، وفي مقدمتهم عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهم، وكان رسول الله يعرض ما معه من القرآن على جبريل كل عام، وفي العام الأخير لحياته عرضه مرتين، وهي العرضة التي أمر عثمان بعد ذلك باتباعها قراءة ورسما، وكان النبي يتلى عليه ويتلو بعض كلمات القرآن بلهجات متعددة متباينة بلا تناقض في دلالتها تيسيرا على أهل تلك اللهجات، ولعل صادق ما يدلك على هذا قصة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم الأسْدِي؛ حيث سمع عمر هشاما يقرأ سورة الفرقان بقراءة لم يسمعها عمر من رسول الله، فانتهى أمرهما إلي رسول الله، فأقـرّ كلاً على قراءته قائلا: “أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف”.
وقد اضطرب القدماء في تفسير هذا الحديث، وسلكوا في ذلك مسالك شتي، وأولوا تأويلات لا تكاد تحصي، وأبـوا إلا أن يضفوا على الحديث ما لا حاجة له من تأويلات وتفسيرات، لا مجال هنا لبثّـها؛ فذلك مبثوث في مظانه المتقدمة والمتأخرة، وفسر بعض المعاصرين اضطراب المفسرين بأنهم خلطوا بين الأحرف السبعة والقراءات السبع التي سبعها ابن مجاهد، والباحث يرى أن تأويلات العلماء وتفسيراتهم قد بدأت بابن قتيبة أو قبله، حيث ذكر بعض تلك التفسيرات في مشكله، وقد توفي ابن قتيبة 276 هـ أي قبل أن يسبع ابن مجاهد سبعته، حيث ألّف كتابه في مطلع القرن الرابع، وهذا ينفي الصلة بين الأحرف السبعة وسبعة ابن مجاهد من حيث تفسيرات العلماء، ولعل سبب هذا الاضطراب راجع إلي أن العلماء قد حاولوا أن يستخرجوا من القراءات ما يتفق والحديث النبوي.
أما عن تفسير الحديث فإن الأحرف السبعة ما هي إلا لهجات أقـرّها رسول الله وأن لفظ (سبعة) لا يشير إلي العدد ذاته، إنما هو دلالة على الكثرة والكمال، فـ”المراد بالأحرف السبعة اللغات تختلف بها لهجات العرب، ولفظ (سبعة) ما هو إلا رمز إلي ما ألفوه من معني الكمال”، وقد توسع بعض المعاصرين في معني التيسير الذي يهدف إليه الحديث، فيرون أن الأحرف السبعة ليست مقصورة علي اللهجات العربية، بل تتسع فتشمل جميع لهجات المسلمين في بقاع الأرض، وهذا رأي مقبول من حيث إنه يمثل نموذجا للتيسير الذي نعت به الدين الإسلامي، إلا أنه يدفعه كون القرآِن معجزة في لغته الفصحى؛ ومن ثم ينبغي النظر فيه.
من ناحية أخرى فهناك من رفض وجود أدني صلة بين الأحرف السبعة والقراءات القرآنية، مثل د.طه حسين؛ إذ يقول: “وليست هذه القراءات بالأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن، إنما هي شيء وهذه الأحرف شيء آخر.. والحق أن ليست القراءات السبع من الوحي في قليل ولا كثير، إنما هي قراءات مصدرها اللهجات واختلافها”، ولعل طه حسين في رأيه هذا متأثر بابن جرير الطبري؛ حيث ذكر أن “اختلاف القراء فيما اختلفوا فيه من رفع حرف ونصبه وجره وتسكين حرف وتحريكه ونقل حرف إلي آخر مع اتفاق الصورة عن الحديث بمعزل”.
فالطبري يرى أن كل ما يحتمله الخط من قراءات لا يدخل في نطاق الأحرف، وهذا المعني نجده عند طه حسين؛ حيث يذكر أن المقصود بالأحرف السبعة سبع لغات مختلفة في الكلمة؛ في لفظها ومادتها مثل: قراءة ابن مسعود (زقية) بدلا من (صيحة)، أما هذه القراءات التي تختلف في القصر والمد وفي الحركة والسكون وفي النقل والإثبات وفي حركات الإعراب فليست من الأحرف في شيء؛ لأنها اختلاف في الصورة والشكل لا في المادة واللفظ، وقد اتفق المسلمون على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ أي على سبع لغات مختلفة في ألفاظها ومادتها، لكن د.طه حسين لم يستقر على رأيه هذا، بل عدل عنه؛ فذكر في موضع آخر أن المسلمين قرأوا بالأحرف السبعة حتى جمع عثمان المصحف وأحرق ما عداه من الصُحُف، وبالتالي محيت أحرف ستة، وبقى حرف واحد، هو الذي اختلفت فيه لهجات القراء.
فالصلة بين القراءات والأحرف في رأي طه حسين أن القراءات حرف واحد من الأحرف السبعة، وعلى شاكلة طه حسين يقول أحد المعاصرين: “إن القراءات إنما هي حرف واحد من الأحرف”، وهذا رأي يلقى قبولا لدى الباحث، بيد أنه يصعب التدليل على كون القراءات حرفا واحدا من الأحرف السبعة، وإنما هي بعض منها يصعب تحديده، وهذا رأي معظم العلماء.
وقد ظل الصحابة يقرأون القرآن كما تلقوه من رسول الله شفاهة حتى استحر القتل بالقرّاء في حروب الردة، فأمر أبو بكر بدافع من عمر بجمع القران لضمان سلامة النص، فتمّ لهم ذلك، وأُودِعتْ الصُحُف عند أبى بكر حتى توفي ثم عند عمر ثم عند حفصة، حتى حدث ما حدث من قتال في عهد عثمان، وقد وقع اختلاف بين المسلمين في تلاوة القران باتساع الفتوحات الإسلامية وتفرُّقِ المسلمين في الأمصار، وبلغ الأمر ذروته حينما كان المسلمون من أهل الشام والعراق يغزون أذربيجان وأرمينية، حيث حدا الاختلاف بهم في القراءة أن يكّفر بعضهم بعضا، وكان معهم أبو حذيفة اليمان، فأسرع إلى عثمان وأخبره بما حدث، فأمر عثمان على التـوّ بإحضار الصحف المُودَعة عند حفصة، ونسخها في مصحف ــ هو ما عُرِف بالمصحف العثماني ــ وقال للناسخين: “إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلسان قريش، فإنه نزل بلسانهم”.
وهنا سؤال: هل نزل القرآن بلغة قريش الخاصة، ومن ثم فهي أفصح اللغات؟ ولماذا وصفت بأنها أفصح اللغات؟ وإن لم يكن هذا، فما دلالة هذه المقالة؟ وصف ابن فارس لغة قريش بأنها أفصح اللغات، فقال: “وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيّروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم فصاروا بذلك أفصح العرب”، ومن خلال هذا النص نرى أن قريشا من حيث لهجتها الخاصة لم تكن أفصح العرب، وأن ما جعلها أفصح العرب كونها مركز الجزيرة العربية، بها البيت الحرام يأوي إليه الناس من مختلف القبائل العربية؛ فكانت قريش تنتقي من كلامهم أحسنه وأفصحه؛ فاجتمع لها الأفصح، ولعل من خصائصها اللهجية التي تبعدها عن الفصحى تخفيف الهمز؛ إذ اللغة الفصحى تحقيق الهمز، وقد اكتسبت قريش هذه الخاصية من القبائل الأخرى كقبيلة تميــم التي تتسم بهذه السمة.
وبناء على ما سبق نرى أن لغة القرآن ليست قاصرة على لهجة قريش، وإنما هي لغة أدبية نموذجية تمَكّن بها العرب في جاهليتهم من الحديث بعضهم إلى بعض، وهي لغة منتقاة من فصحى لهجات العرب جميعا، ولا تعود إلى قبيلة واحدة، ولعل حديثا لأبي شامة يؤكد هذا الرأي يقول فيه: “القرآن العربي فيه من جميع لغات العرب؛ لأنه أنزل عليهم كافة، وأبيح لهم أن يقرأوه على لغاتهم المختلفة، فاختلفت القراءات فيه لذلك”، ويقول أحد الباحثين: “إنه يوجد في القرآن أكثر من خمسمائة جذر لغوي يعود إلى لغات متباينة متناثرة”، ويعتقد الباحث أن هذه اللغة الأدبية الراقية النموذجية آلت إلى قريش فاحتضنتها؛ لكونها مركزا للجزيرة العربية.
ورُوي أن عثمان كتب ثمانية مصاحف أو خمسة، وبينها اختلافات قليلة سمحت باستيعاب القراءات المتواترة التي أقــرّها عثمان، وقد كان في المواضع التي لا يحتملها الخط كمواضع الزيادة والحذف والتغيير، ومن ذلك قوله تعالي: {فتوكل} بالفاء، {وتوكل} بالواو، و{فإن الله هو الغني}، {فإن الله الغني} بإثبات الضمير وحذفه، وقد ألف العلماء مؤلفات في تلك الاختلافات، مثل كتاب (اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة) للكسائي.
وقد أبقى سيدنا عثمان مصحفا سمي بالمصحف الإمام، وأرسل بقية النسخ إلى الأمصار الإسلامية، ومع كل مصحف أرسل مقرئا يقرئ الناس؛ ليستمر السماع والمشافهة هما الأساس لقبول القراءة واعتمادها؛ ومن ثم لم يعتمد المسلمون قط على خط المصحف، وكان ممن أرسلهم عثمان إلى الأمصار أبو عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش، حيث أرسلهما إلى الكوفة، وعلى أيديهما تلقّي أهل الكوفة قراءاتهم، وفي آخر عصر التابعين تجردت طائفة للقراءة والإقراء؛ حيث اعتنوا كثيرا بضبط التلاوة والأداء؛ فصاروا في ذلك أئمة يُقتدى بهم ويُرحَل إليهم، ويؤخذ عنهم، فنُسبت القراءة إليهم، وهم أبو جعفر ونافع في المدينة وابن كثير في مكة وابن عامر في الشام وأبوعمرو ويعقوب في البصرة وعاصم وحمزة والكسائي في الكوفـة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: