الكنز المدفون       

 

حمادة عبد الونيس

 

الساعة الرابعة والنصف فجرا ،يتنفس الصبح بأمر ربه جنينا مشرق القسمات،يندفع الناس من بيوتهم وفي رأس كل واحد منهم فكر يشغله ،وكلهم في جهاد وإن تنوعت أهدافهم وتباينت غاياتهم فلايزال صوت المؤذن يشق الآفاق :الصلاة خير من النوم فيهرع أهل الصفوف الأولى ملبين النداء !

يمر شيخ الأنفار راكبا حماره يطرق الأبواب طرقا عنيفا لي ليوقظ “الأجرية “حتى يقطعوا الطريق إلى الشغل قبل أن تصب الشمس لفحها وتنشر قيظها فالبكور خير وبركة !

يمر في الشوارع الجانبية الريس “أبو خطوة “ينادي “الصبايا اللائي يذهبن معه عاملات في ورشة الطوب فيخرجن ملتحفات بثياب الجد والشرف قاصدات باب الكريم وقد نفضن الكسل والخمول فليس للإنسان إلا ما سعى !

يؤم الشيخ البجيل صابر أبو الوفا المصلين الذين لم يتجاوز عددهم أصابع اليدين تاليا في الركعة الثانية:”وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا “.

ثم يقنت داعيا بعد القيام من الركوع مستهلا دعاءه بحمد الله والصلاة على النبي الخاتم متضرعا إلى مولاه أن يكشف الغمة عن الأمة .. !

ها هي ذي ينابيع النور تسرى فتبدد دياجير الظلام ،حملت الشوارع بالمارة صبية ونساء ورجالا لكل منهم وجهة لا يلوي عنها ،يدور حديث  بين امرأتين جارتين قد أمتا “الطابونة “لجلب حصتهما في الخبز !

تبتدر كبراهما الصغرى:

رحم الله زمان الطيبين ،زمان الحشمة والبركة والرزق الوفير،كانت أمي رحمها الله تبني الفرن الطيني أمام البيت وتجمع الوقود بمساعدة نساء الحارة ثم تأتي كل واحدة منهن بعجينها ويتحلقن موزعات للأدوار فيخبزن ما تشتهي الأنفس في حب ومودة !

تفوح رائحة الفطير المشلتت ثم تعقبها رائحة الرقاق فيعم الخير حتى ينال المارة نصيبهم من المخبوز فطيرا ورقاقا و”عيشا مشطورا “!

آه على ماض تولى ،رحل الطيبون وفقدت الحياة معناها فلم يعد لها طعم ولا مزية!

صدقت والله يا أم خالد ،لقد رأيتني وأنا طفلة أمشي في ذيل أمي لا أفارقها وقد حملت قفتها على رأسها وفيها رزق الله الذي جاد به علينا من حسنة الجاموسة والبقرة فتذهب إلى رشيد عن طريق المركب وتدفع الأجرة خمسة قروش وتبيع السمن والجبن بجنيهات معدودات فتعود عن الظهيرة محملة بما لذ وطاب من لحم وفاكهة ودقيق وفول وفلافل وسمك ولعبة لي وحلوى لإخوتي ودخان أبي ثم تعطي أبي ما بقي معها ثلاثة جنيهات أو أربعة فتكفي مصاريف البيت حتى نهاية الأسبوع !

أصبحنا نباع ونشترى وخرجنا نزاحم الرجال من أجل رغيف لايصلح علفا للماشية !

العيب فينا ولن ينقشع الظلام حتى تتطهر قلوبنا !

النيل يجري في بلادنا والأرض جاهزة للزراعة والصحراء تفتح حضنها لكل صادق يريد العيش الكريم لكن اللصوص لا يريدون أن يتعبوا فقد وسد إليهم الأمر وسطوا على المقدرات والخيرات دون حساب أو عقاب !

في طريق العودة من الطابونة مشاجرة طاحنة بين بائع جائل وهلفوت جائع ساومه على شراء كيلو بصلا على أن يدفع إليه ثمنه على دفعات فقد بلغ سعره ثلاثين جنيها فما كان من البائع إلا الرفض والسخرية فقابله الهلفوت بالصفع والضرب بالنبوت يسبه ويلعنه القوت القوت ولا الموت !!

تجمع المارة حولهما وأصلحوا ذات بينهما في تعجب وحيرة !

البصل لا يصل إليه إلا البطل !

الآن وجب الاعتذار لكل بائع كان يزلزل الشارع بصوته الجهوري :العشرة بعشرة يا بصل!

فوق أسطح القرية مكان مخصص لتخزين الثوم والبصل والجبن القديم في البلاصي الفخار !

الآن تبكي السطوح ولا نجم يلوح !

المهرة مات خيالها والحصان الرزان قد دخل بها لوح !

الرياح لم تعد لواقح بل صارت عقيما كلما هبت على زرع جعلته عصفا رميما ولا يزال السحرة خلف الشاشات يبررون وعلى دربهم يأتي الذين اختارتهم الشعوب للدفاع عن حقوقهم وسن القوانين التي تحمي مقدراتهم من النهب والسلب فنكصوا على أعقابهم وخانوا العهود وباعوا الشعب بثمن بخس لينالوا رضا الحاكم بأمره ويكتبوا عنده من المقربين!

فرضت الإتاوات وظهر في الناس ألف خط يمارس إجرامه لكن بأسلوب جديد وطرق مختلفة !

سعار الأسعار نار تلتهم الأخضر واليابس ،بات الناس من الهم مقرحين لا حديث لهم إلا عن شبح الجوع !

الأرض غاضبة فلم تعد تخرج ثمارها حتى السماء كشرت عن أنيابها فلا تمطر في العام إلا مرة أو مرتين !

اللعنات صواعق تتسيد الآفاق!

تجلس عجوز أمام باب بيتها تقلب ناظريها في الشفق ،تنهمر الدموع من عينيها ،وقد رفعت يديها نحو السماء :

اللهم ،العن  من هدم صنعتك وخوف عيالك وشرد ولاياك !

الشيخوخة لفت المدينة العجوز بأسمالها الملطخة بدماء الخيانة لم يعد من صوت إلا نعيق الغربان ونهيق الحمير !

لكن شجرة الجميز مازالت تقاوم وتقاوم فقد امتلأت أغصانها بثمارها اليانعة تحتضن البلابل التي لاذت بها هربا من الأفاعي الرقطاء!

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: