الكاتب حامد أحمد الشريف يكتب : لعبةُ الكراسي…

لعبةُ الكراسي…

الكاتب حامد أحمد الشريف – السعودية

 

كانتِ السُّحُبُ قد أدمعت وانسكب ماؤها فجأة، وزادت برودة أوصال الكون من دون سابق إنذار. شعرت وقتها بتخلّي فصل الخريف عنّا، وتكرار خيانته لنا، كعادته في كلّ عام، حين يُقدّمنا قربانًا إلى فصل الشتاء، إذ يهرب من وجهه، ويتركنا تحت رحمته رغم علمه بقسوته وجبروته وقدرته على النيل منّا في بداياته، قبل أن نحترز منه مرغمين، للنّجاة بأنفسنا.

ذلك ما حدث بالفعل يومها، إذ لم أكن محتاطًا لهذه التقلُّبات غير المتوقَّعة. ولم يكن من خيارٍ أمامي وقد أَظلم الكون وطوّقتنا زخّات المطر، إلّا المسارعة بالصعود إلى أوّل حافلة صغيرة تقترب منّي، إذ لم يكن ثمّة عاصمٍ يومها – بعد الله – غيرها. جلست وقتها على المقعد الشاغر الوحيد القائم في الوسط. ومع أنّ الأمر بدا مستغرَبًا، إذ عادة يمتلئ الباص أوّلًا بأول ولا يبقى كرسيٌّ شاغر في موقع كهذا، إلّا أنّني، في تلك اللّحظات العصيبة، ما كنت لأنشغل بغير اتّقاء الوابل الذي كاد يُغرقني وسط ملابسي.

كانت قد تضاءلت الخيارات أمامي، وأصبحْتُ ملزمًا بدفع فاتورة خروجي من دون التنبُّه إلى الصراعات العنيفة التي تخوضها الفصول مع بعضها في مثل هذه الأوقات، وندفع نحن مهرها.

بدا ركّاب الحافلة وقتها مشغولين عنّي بتفقُّد أنفسهم، مبدين الحسرة على ما أصاب ملابسهم وحاجياتهم؛ فالجميع – في ظنّي – قد عاشوا التجربة التي عشتها، ووجدوا في الحافلة طوق نجاتهم مثلي تمامًا.

حين انطلقَت المركبة شعرْتُ بنظراتٍ غريبة تُحيطني من بعض الركّاب، وكأنّهم يلمزونني في ما بينهم، بالأخصّ تلك الفتاة التي تجلس بجواري ولم تكن أفضل حالًا منّي إذ تكاد تغرق في ملابسها، وكانت تقضم ابتسامتها وهي تختلس النظر إليّ رغم ما بها من شدّةٍ وضيق، وتُبعد نظرها عنّي كلّما أدرت وجهي باتّجاهها. كدت وقتها أُشهر ضحكاتي متهكِّمًا على صِنف النساء اللّواتي ينشغلن بنا نحن الشباب في كلّ أوقاتهنّ، ثمّ إذا ما استجبنا لإغرائهنّ اتّهمننا بمطاردتهنّ، وكِلنَ لنا الشتائم والسباب.

هززت رأسي حينها ممتعضًا، وانصرفت عنها وفي داخلي مقتٌ كبير لهنّ جميعًا دون استثناء… لكنّ ذلك لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما تبيّن لي مغزى تلك النظرات، وقد شعرت ببللٍ يجتاحني وكأنّني لا أزال أقف في الشارع، فملابسي لم تجفّ، وشعري لا يزال يقطر ماءً! وعندما تفقّدت نفسي وجلت ببصري في ما حولي، تأكّد لي أنّ الماء لا يزال يصبّ فوق رأسي بالفعل، إذ يتسرّب من فتحة في السقف غير محكمة الإغلاق، أو أنّ أطرافها تآكلت. وعندما نظرت إلى الفتاة التي بجواري وابتسمت، هزّت رأسها ومطّت شفتيها قبل تبسُّمها في وجهي وانصرافها عنّي. شعرت حينها بمكر النساء، ورغم غضبي للوهلة الأولى من تصرفها إلّا أنّني التمست لها العذر لاحقًا، فهي كباقي البشر لن تلتفت إلى من حولها إن قرّرت النجاة بنفسها… فلم يكن بمقدوري غير الاستسلام.

وأنا على تلك الحال المزرية، أحسست أنّ لعبة الكراسي قدَرٌ لا مفرّ منه، وعليّ الإيمان بذلك… وبعد هدأة استعدت فيها لياقتي العقليّة، حاولت إصلاح الخلل بسحب الغطاء وإكمال إغلاق فتحة السقف، إلّا أنّني لم أجنِ غير ازدياد انهمار الماء وغرقي أكثر في ذلك الكرسي اللّعين. لقد فشلتُ فشلًا ذريعًا، رغم محاولة أحدهم نجدتي والإسهام معي في إصلاح الخلل. ولم يبقَ لي غير تقبُّل ما يحدث حتّى تقف الحافلة.

بدا أنّ الفتاة حينها لم تكن قادرة على كتم ابتسامتها، رغم تحرّجها منها، فمنظري كان يدعو بالفعل للضحك بعد أن اجتمع عليّ الماء المتّسخ والصدأ الذي خالطه، إضافة إلى الضعف والوهن اللّذين كنت عليهما بسبب برودة الطقس والمطر المنهمر المنصبّ على رأسي. اخترت حينها الاستسلام للأمر الواقع، وتبادل الابتسامات معها، وهزّ رأسي بالطريقة الهنديّة…

إلّا أنّ الأمور ازدادت سوءًا، وأصبح الوضع لا يطاق، فلم يكن أمامي بدٌّ من التخاصم مع السائق، لذا طلبت منه بحزمٍ التوقُّف لإصلاح الخلل، وازددت إصرارًا على ذلك، ممّا اضطرّه للضّغط على مكابح السيارة وإيقافها فجأة، والالتفات باتّجاهي طالبًا منّي المغادرة! كان منظره مرعبًا، وظهر أنّه لن يتسامح مع إخلالي بنظام الباص… في ظلّ تصاعد الهمهمات المؤيّدة لمطالباتي المشروعة. وأظنّه قرّر جعلي عبرة لغيري خشية خروج الوضع عن السيطرة.

شعرت وقتها أنّني فشلت في قيادة هذا التمرُّد، وسأدفع الثمن وحدي. لم أكن أعرف ما يمكنني فعله للتراجع والقبول بالأمر الواقع. وكنت سأغادر – يقينًا – لولا أنّ الفتاة سبقتني وغادرت على نحوٍ مفاجئ! فسارعت بالانتقال إلى مكانها، وخفضت رأسي معتذرًا للسائق وأنا أضع يدي على صدري بالطريقة اليابانيّة… ويظهر أنّه قرّر الاكتفاء بتلك القرصة العربيّة، لتعريفي بالنظام السائد، وعاد بعدها للنظر إلى الأمام منتظرًا صعود المرأة المسنّة التي تصادف وجودها في تلك اللّحظة قريبًا من الباص، وبدا أنّها تكاد تموت من البرد بسبب الماء المنهمر على رأسها، ما دفعها للتحامل على نفسها والصعود إلى الحافلة متّكئة على عصاها وهي لا تصدّق أنّ الله نّجاها إذ رزقها بهذا الباص بعد أن كادت تلقى حتفها.

بعد أن استوت العجوز في الداخل، توجَّهت مباشرة إلى المقعد الشاغر. لم أُذعن حينها لوخزات الضمير وأسعى لتجنيبها هذا المصير المشؤوم، فأنا قد نلت نصيبي منه، كما هو الحال مع الباقين. وهذا ما دعاني للتعامي عنها وتجاهل مرورها من أمامي، وترْكها تحطُّ رحالها بجواري على الكرسي الذي نجوتُ منه. كلّ ما استطعت فعله، هو إظهار حزني، عوض الابتسامات التي طوّقتني بها الفتاة، في وقتٍ حاول بعضهم ثنيها عن الجلوس في المقعد الشاغر، وتبرّعوا لها بكراسيهم، محاولين تنبيهها من مغبّة الجلوس في هذا المكان السيّئ. لكنّها رفضت الاستجابة لهم، واختارت البقاء! ما جعلهم يرمقونني بنظرات ازدراءٍ أزعجتني كثيرًا.

لم يمضِ وقت طويل حتّى شعرَت المسنّة بالفخّ الذي وقعت فيه، عندما صوّبت بصرها باتّجاه السقف، وهي تتحسّس المياه المتساقطة عليها. نظرَتْ حينها في عينيّ وتبسّمت… أظنّها فهمت اللُّعبة، ما دفعني للاقتراب منها معتذرًا ومحاولًا مواساتها، حتّى أنّني كدت أعترف لها بأنّني مذنبٌ بحقّها! حاول بعض الركّاب إقناعها من جديد بتغيير مكانها، وبدا أنّهم مشفقون كثيرًا عليها، لكنّها رفضت، وطمأنتهم بقولها، إنّ حالها هنا أفضل بكثير من وقفتها في الشارع. ثمّ شكرت الجميع على نبلهم، ولا أعلم ما إذا كنت أنا ضمنهم أم لا، وإن خصّتني بعبارتها الأخيرة عندما تبسّمت في وجهي وهي تلفّ ملاءتها حول رأسها، وهمست في أذني قائلةً:

– “قدر أهون من قدر يا ولدي”.

ولقد شاركتُها الابتسامة وأنا خجِلٌ من نفسي. ولكن، لم يكن بيدي حيلة، إذ لا مناصّ من هذا التناوب، وجعْل الأمر دولةً بيننا. هكذا وقعْتُ في الفخّ وهكذا تخلّصْتُ منه، وكنت على يقين من أنّها، وقد تبسّمت رغم سوء حالها الذي كانت عليه، قد فهمَت واستوعبت طريقة اللّعبة، ولن تلبث أن تتخلّى عن مقعدها بمجرّد توقُّف الباص ونزول أحدهم، ليأتيَ بعدها من يستلم الراية، ويأخذ دوره… فنتقاسم جميعنا العناء.

كدت أخبرها بذلك لأخفّف من مصابها، لكنّني تراجعت، لصعوبة فهمها لهذه السياسة التي ما فتئ كلّ ركّاب الباص يؤمنون بها ويطبِّقونها على أرض الواقع، وإن كادوا يعدلون عنها عندما شاهدوا حال المرأة المسنّة ومعاناتها. بينما انتظرت بفارغ الصبر أوّل توقّفٍ للباص، حتّى تنجلي هذه الغمّة، ويأتي من يحتلّ مكانها، فأتخلّص من تأنيب الضمير ومن العيون الوقحة التي لا تزال ترشقني بسياطها.

وبالفعل، كانت دقائق معدودة توقّف بعدها الباص ونزل أحد الركّاب، ولم يبقَ سوى ابتعاد المسنة عن مقعدها لانتهاء كربها، فأتخلّص من كلّ تبعات هذا الموقف. توقّعت حينها أنّها ستسارع، بقدر استطاعتها، لتغيير موقعها قبل صعود أحدهم. وكدت أمدّ يدي لمساعدتها، لولا تبسّمها في وجهي كما من قبل، وتحريك رأسها بما يوحي أنّها لا تنوي الدخول معنا في هذه اللعبة! ولم تستجب لمبادرة الجميع إلى ثنيها عن ذلك، وهم لا يزالون يحاولون الفتك بي بنظراتهم. بينما بدَت، على العكس من ذلك، مغتبطةً بالحال التي هي عليها، سعيدةً بما كُتب لها!

لقد اكتفت بالنظر إلى الأعلى، وتمتمت ببعض الكلمات من دون أن تشتكي أو تتبرّم من الماء الذي أغرقها وكاد يغرقنا جميعًا معها. وما لبث أن توقّف انهمار المطر، فخفّ تساقط القطرات شيئًا فشيئًا، حتّى انقطعت ولم يعد هناك حاجة لتبادل الأدوار، فاللعبة قد انتهت بالفعل!

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: