القيثارة: الشاعرة شريفة السيد تكتب: كتاب تحت العدسة

( حكّاء الجزيرة .. وشاعرها )

ابن بطوطة العصر الحديث.

_الأديب المؤرخ عبد الناصر ابو بكر

وعالم من المتعة والإثارة والتشويق

_ رحلات ابن أبي بكر بين الحقيقة والخيال.

بقلم القيثارة: الشاعرة شريفة السيد

في كتاب”حكاوي الجزيرة” للأديب الكبير عبد الناصر ابو بكر نجد  مجموعة مقالات تأريخية ، وأدبية ، ولوحات فنية نثرية امتزج فيها الشعر بالنثر ، والفصيح بالعامي، والواقعي بالخيالي..

وقد أبدع في نسج خيوطها، وسرد تفاصيلها المشوّقة الممتعة.

.

وقد عنون كل فصل من فصول هذه الدرة الثمينة ، والتحفة الأدبية الفنية المتينة، بعنوان تستريح أسفله مقالة أدبية تأريخية تغوص في أعماق قرية عامرة من قرى محافظة أسوان التي تقف في صلابة وأصالة شاهدة على عصور ولت ، وأيام خلت إلا ممن يتذكرها بكل فخر، وحنين لكل تفاصيلها التي تسكن القلب والذاكرة المحبة لأبناء تلك القرية والقرى المجاورة لها .

يقول الأديب فضل محمد إبراهيم في مقدمة الكتاب:

تلك الحكاوي التي تعتبر قاموسا جنوبيا، يعيد لبعض المفردات الحياة، وينتشلها من ضياع الموات والاندثار مع مرور الأيام وتغير اللسان واللهجات بفعل وسائل الاتصال والتواصل الحديثة التي كادت تزيل أسوار الخصوصية، وجسور التميز والتمايز من معالم قرانا ونجوعنا بشكل متعسف .

تنقل الكاتب حاملا ” كاميرا ” بين حقب زمنية متفاوتة، لاهثا خلف عادة من العادات القروية المحببة، أو مصورا بحرفية عالية طقوس احتفالية من الاحتفاليات؛ عرسا ، ميلادا ، طهورا ، حجا ، جنازة ، إلخ.

وانت عزيزي القارئ لا تملك حيال مشاهدها الملفتة، وإخراجها الرائع سوى أن تلوذ بالصمت وبالإعجاب، راسما ابتسامة رضا عن النص وعن صاحبه الذي لم يترك شاردة ولا واردة إلا وسلط عليها شعاعا من أضواء إبداعه فجلاها للعيان، وأحضرها شاخصة بعد أن كادت تكون  طي النسيان، وذكرى لم يعبأ بها الزمان .

فها نحن – كما يقول مؤلّف الكتاب – أمام  :

” نموذج مصغّر للعالم بكل ما فيه من الخير, والحق, والعدل, والجمال, والبَرَكَة, والعلم, والضيم, والسّوء, والهضم, والفقر, والجهل, والمَرَض ..كل ما استرقته أسماع البيوت القديمة من الأناشيد , والزغاريد , ومن أوجاع الطّلق , والجنائز , والمآتم , والأعراس , والولائم , والمعارك بالنبابيت بين القبائل , والألعاب العنيفة , والعشق الصّامت , والطاحونة , والجُرن , والشادوف , والبلح النارخ , وذكور الجمّيز, ورائحة سراويل القصب , وخطابات المغتربين التي كانت تمكث قرابة الشهر في أروقة مكاتب البريد , ومجالس العُرف , وفيضان النيل , وملح الجبل , وفضلات الخفافيش .. كل ذلك مازال منقوشاً بالوشم على جباه الكهول , وعلى جلود العجائز المُتّكئين على جدران الأيام الخالية”.

.

احتفى الكاتب .. بكل مفردات وتفاصيل قريته ـ التي تتماس مع كل قرى مصرنا عموما ، وجنوبنا خصوصا، وإن كانت ( الكلح ) أشد خصوصية كما سيكتشف المطالع للكتاب: إنسانها ، حيوانها ، زرعها ، وضرعها ، حقولها ، شوراعها ودروبها وحواريها أزقتها ، عادتها وتقاليدها بكل ما لها وما عليها … ، أكواخها ، وعششها ، قصصها الثابتة ، وأساطيرها المغرقة في غرابتها ..

وقد رتل القرآن منتشيا مع قرائها المجيدين ، وأنشد طربا من منشديها ومداحيها المعروفين ، وغنى مع مطربيها وفنانيها المتمرسين ، وهام في ساحات وحضرات المداحين في حلقات الذكر وتمايل سكرا مع الشاربين من معين شيوخ الصوفية الرائق .. ، وجرى خلف “المهابيل” في حواري القرية في أوقات الظهيرة في أيام الصيف المحرقة مع أقرانه يرددون بعض الأهازيج التي تضحكهم ، وتثير حفيظة ذلك ” المهبول ” وتجعله يطلق ساقيه للريح … صارخا بعبارات غير مفهومة لكنها تؤكد غضبه وحنقه على هؤلاء الصبية .

كما اصطحبنا الكاتب في كل رحلة استقصائية قام بها خلال مقالاته المبدعة بشكل أمتعنا، وإن أوجعنا إشفاقا تارة، وحنينا تارة أخرى. !

.

لقد عرفناه شاعرا يجيد اللونين الفصيح ، والعامي وبخاصة فن الواو سيد الفنون الشفاهية الجنوبية وأعلاها شأنا، وها هو يبهرنا أديبا أريبا ، وكاتبا نجيبا ، يعرف قلمه كيف يجتلى الكلمات والمعاني والجمل البسيطة البليغة التي تصل إلى قارئها دونما عناء، ويشعر معها بالمتعة الأدبية والإبهار الفني المشوق..!

يعرف كيف يقدم لموضوعاته ويمهد لها فنيا وأدبيا ووجدانيا ، ثم يعرض بضاعته التي تتسابق عليها وإليها عيون القراء إعجابا وثناء كلما تجولت في رحابها المبدعة الممتعة .

ثم يترك قارئه وقد ثمل من أقداح إبداعه، لكنه متشوق لشربة أخرى من خمر إبداعه الحلال الذي لا يكتفى منه متذوق قاصد ، أو محب راصد …

شكرا للشاعر ، والأديب والكاتب العبقري الذي حقق أمنيتي ورغبتي ورغبة أصدقائه في أن جمع مقالاته المبدعة، وأطروحاته الرائعة عن ذكريات قريته الملهمة / الكلح، بين دفتي كتاب لا يندم مطالعه، ولا يخيب مقتنيه، بل يحفل به أيما احتفاء واحتفال وهو الموسوم بــ ” حكاوي الجزيرة ” الذي كتبه  بمداد من قلبه المفعم بالمحبة والإخلاص والانتماء لكل ذرة من تراب وطنه، والذي تفوح من كل حرف فيه رائحة عرق أهله الطيبين، المعجونين بماء النهر الخالد وطميه الخلاق.!

وأخيرا أكاد أجزم بأن هذا الكتاب إضافة حقيقية للمكتبة العربية,ومعجمٌ فريد للثقافة الشعبية المدهشة.

أهدى الكتاب أ. عبد الناصر كتابه

إلى بناتِ القمرِ في جنوبِ صعيد مصر.. تلك القرى التي كانت مصدراً للإلهام, ومنبعاً للقيم وللأعراف, وسُوقاً للحكايات الشّعبية المُدهشة..

إليها.. وإلى الإنسان الباحث عن التراث الجنوبيّ المعتّق.. أُهدي هذه الحكايات التي هَمَسَتْ بها قريتي الصغيرةُ في مسامع ليالي الصّيف القمرية.

من أجواء الكتاب فصول كثيرة منها:

مفتاح الجزيرة

حوش البيت الكبير / ملقة البيت / ولومة لله والنبي / خضرا وطرية يا ملوخية / زواير الحريم / بيت الطابونة / ماجور الرايب

11 صحن السخينة بالفطير / الطبيخان / الطبلية/الختان / سياق العروسة / الملايك/تصلي ع النبي /اشتروا العريس / روحي وتعالي تاني / اللبة / العتبة قزاز / الهلنكة / حريم العزاء / جبل الشيخ يوسف /مستعمرة المصنع /كلح الجبل / ليلة الكرنك/ وغيرها كثير ، وصلت إلى 43  مقال ادبي مكتوب بحرفية شديدة وأساليب جذب متعددة ناهيك عن البلاغة والعمق والإحاطة بكل التفاصيل.

منها ما جاء بأسماء اماكن أو اسماء أزمنة أو اسماء شخصيات محددة أو امثال شعبية أو أغان أو اقوال مأثورة أو ألفاظ مشهورة ومنها المادي والمعنوي الخ.

لكأننا نقرأ في رحلات ابن بطوطة ولكن حكاياته عن احداث في العصر الحديث، أو أننا أمام جبرتي جديد. يحكي تاريخ صعيد مصر من زوايا متعددة ومختلفة وثرية. ومن هنا تأتي قيمة هذا الكتاب .

من نماذج الكتاب :

في سبعينيات القرن الماضي وما قبلها كانت تتشابه مراسم الزواج في القرية الجنوبية  في بعض طقوسها, وتختلف في بعضها الآخر وفقا لخصوصية كل منطقة. وكان للمستوى الاقتصادي لسُكّان القرية دور في ترسيخ بعض العادات, أو التنصّل منها.. كتحديد قيمة المهور, وتقديم الهدايا للعروس, أو في إعداد مسكن الزوجية وزخرفته بمنتجات البيئة كالأطباق المشغولة بالخيوط الملونة, والمراوح اليدوية, ومصادر الإضاءة بلمبة الجاز المرقّمة ( نمرة 5 – نمرة 10 ) وكذلك الفوانيس والكلوبّات ذات الرتينة البيضاء والتي تضاء بالكُحُلّ.

تبدو هذه المظاهر أيضاً في طلاء جدران الغرفة بالجير أو بالجبس وما إلى ذلك من الأشياء البسيطة التي تعبّرعن شيء من البهجة.

كان جهاز العروس في ذلك الزمان لا يتجاوز هذه المسمّيات البسيطة في كل الاحوال: ( وابور جاز – حلّة كبيرة – طست وإبريق – مجموعة من الأواني البلاستيكية – بالإضافة للمنتجات الفخارية والطينية والأطباق المُصَنّعة من الخوص المصبوغ).

أما عن المجوهرات التي كانت تحرص الأم على توفيرها لابنتها فكانت تتمثل في الخلاخيل, والحلق المخروط, واللبّة التي كانت تلمع في رقاب الحريم.

أزعم أن هناك من الطقوس ما تفرّدت به قريتنا وما في أطرافها من نجوعٍ وكُفور .. كامتداد الفترة الزمنية التي تتم فيها مراسم الزواج, والتي تقترب من العام الكامل تُمارس فيها الاحتفالات الليلية على ضوء القمر بالكفّ الشعبي. وكذلك في استنزاف أهل الحارة وتجريد حظائرهم من البط والحمام والديوك إكراما للعريس وعشيرته, وأيضاً من باب التكافل الاجتماعي والأمن الغذائي للعريس في الظرفٍ الدقيق الذي يجتاز مراحله بشيء من الخوف والقلق .

لم يكن بالإمكان رؤية العريس لعروسه قبل أن يتمّ تسليمها له بواسطة عمّتها ليلة الزّفاف. ولم تتوفر لدى العريس أي ثقافة تعينه على إنجاح مهمّته بخلاف الفتاوى التي تصدر عن بعض أصدقائه في الأيام الأواخر قبل الدخول بزوجته, رغم أنّ الأعراف السائدة آنذاك كانت تسمح برصد نتائج اللقاء الأول .

تكاليف الزواج لم تكن كبيرة ولا مرهقة لأهل الزوجين على حدٍّ سواء, ولكنّ الإرهاق كان يكمن فيما بعد الدخول بالزوجة . فأهل العريس ينفضون أياديهم تماماً من أي تبعات بعد الزفاف, ويتركون لأهل الزوجة مسئولية توفير السكن في غرفة بالطابق العلوي للبيت تُعدّ خصيصاً لهذا الغرض, وتُسمّى بالغرفة.

وقد تمتد فترة الإقامة بتلك الغرفة لعقد أوعقدين من الزمان حتى يتمكّن الزوج من بناء البيت الخاص به .. مع ملاحظة أنّ الدوافع للاستقلالية لم تكن ملحّة لدى الزوج الذي يأكل من قتَّةٍ محلولة . فهو الذي يشبع أولاً باعتباره ضيفاً كريماً مهما طالت الأيام, وتوالت الأعوام السِّمان.

كان العريس يبسط سلطانه على جميع أفراد الأسرة بما فيهم سيّد الدار ورئيس مجلس إدارتها ( والد العروسة) فلا يسطيع أحدٌ أنْ يسأل زوج الابنة عن النفقة مثلاً, أو.. الخ المقال.

.

ومع أن الكاتب اشهر من نار على علم لكني افضل عرض بعض من سيرته الأدبية ومنها:

الشاعر/ عبدالناصر أبوبكر من أسوان

عضو اتحاد كتّاب مصر / ومحاضر مركزي بالهيئة العامة لقصور الثقافة

له من الإصدارات:

– رحيل القوافـــي .. شعر فصحى

– أعراس الصّهيل ..  شعر فصحى

– عــــــــلى الرّبابة ..  فنون قولية

– حكاوي الجزيـرة ..  ثقافة شعبية

– ورق الموز .. مجموعة قصصية

–  عصير الرماد .. في أدب السيرة الذاتية

– كتاب الموال الأبيض .. إعداد وتقديم

– على باب ليلى . . شعر فصحى

–  زبد السيل .. شعر فصحى

وله تحت الطبع العديد من المخطوطات منها:

1- ما تيـــــــسّر من غضب..  شعر فصحى

2- ما تيسّر من سير الصحابة .. تاريخ إسلامي

3- خليني ساكت يا منى .. شعر عامية

وحاصل على العديد من الجوائز والتكريمات وشارك في العديد من الأنشطة الثقافية والمهرجانات. وله سيرة عطرة في الأوساط الثقافية والفنية.

—————————————–

وأتمنى أن أجد الوقت لقراءة وعرض اعمال أخرى له هنا ، لأن ما يكتبه يمكن أن يصنف على أنه إضافة حقيقية للمكتبة العربية. ولأنهوبالفعل حكاء الجزيرة وشاعرها.

.

شريفة السيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: