العلم الزائف: خرافتا الحسد والسحر

بهجت العبيدي

إن العقل الإنساني في طفولته الباكرة كان عقلا ساذجا، حاول، بسذاجته هذه أن يجد إجابات عن تلك الأسئلة التي تنشأ عن مشاهدته للظواهر الطبيعية، فجاءت هذه الإجابات متناسبة مع تلك الطفولة العقلية والفكرية، ذلك الذي يمكننا أن نجده عند الأطفال في أي عصر من العصور، حيث أن تلك الإجابات دائما ما يتحكم فيها الكم المعرفي، هذا الذي هو بسيط يسير عند الإنسان طوال عمره في العصور الأولى، وعند الطفل في أي مرحلة من المراحل التاريخية.

بل ربما يمكن أن يفسر طفل العصر الحديث الظواهر الطبيعة تفسيرا أكثر موضوعية من الإنسان في العصور القديمة، وذلك راجع إلى تطور العقل البشري من ناحية، وكم المعارف المتاح لطفل هذا العصر الذي نعيش فيه من ناحية أخرى، ولعله من المناسب هنا أن أقص على القارئ الكريم أقصوصة طريفة كاشفة وقعت في أرض الواقع، حيث ونحن في المرحلة الجامعية، بكلية الآداب بجامعة المنصورة، وكان ذلك في العقد قبل الأخير من القرن الماضي، وكان نشاط الجماعات الإسلامية في أوْجهِ، وفي إحدى محاضرات الفلسفة، تلك التي كان يمقتها الزملاء المنتمون للتيارات الإسلامية، والتي كان يلقيها علينا الأستاذ الدكتور إبراهيم يس، بارك الله في عمره، وكان يستشهد في تلك المحاضرة بالتطور العلمي الهائل في علم الفلك وكيف أن هناك اكتشاف للملايين – بل ملايير الملايير، من النجوم، هذا الذي يعني تعدد الشموس والكواكب والمجرات، وهنا انتفض زميلنا من التيار الإسلامي “الحسيني س” ليعترض بفظاظة شديدة على أستاذ الفلسفة الذي كان مرفوضا بالطبع منه ومن كامل طلاب التيار الإسلامي رفضا شديدا، مؤكدا أنه لا يوجد في الكون سوى شمس واحدة، تلك التي أقسم بها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم حينما قال تعالى: “والشمس وضحاها”، مطالبا الدكتور إبراهيم يس بتقديم الدليل قبلما أن ينشر مثل هذه الأفكار التي يزعم أنها اكتشافات علمية، فما كان من الرجل إلا أن طالبه بالذهاب إلى مكتبة دار المعارف بالمنصورة محددا له قسم الأطفال للحصول على مجلة علمية مخصصة للطفل وساعتها سيقرأ عن هذا الموضوع الذي هو من المسلمات العلمية، ذلك الذي رفضه زميلنا “الحسيني س” حيث أن الدليل الذي يقصده هو دليل شرعي وليس دليلا علميا، هنا أنهى الدكتور المناقشة والمحاضرة جميعا، بعدما قال له أن الله سبحانه وتعالى خاطب أهل قريش وشبه الجزيرة العربية بما يفهمونه، فإن لم يكن قد ذكر في القرآن الكريم شيئا عن الشموس والأكوان، فهذا لا يعني عدم وجودها.

أعود وأقول: إن طفل اليوم، نتيجة للمعارف التي يتحصل عليها يمكنه أن يفسر الظواهر الطبيعية ويجيب على الأسئلة التي كانت تؤرق أسلافنا ويقدمون فيها إجابات ساذجة، أفضل منهم بآلاف المرات، وذلك ناتج عن تطور العقل البشري من ناحية، وتراكم المعارف البشرية التي تتضاعف كل عشر ساعات بعدما كانت تتضاعف في الماضي السحيق كل عدة آلاف من السنوات متدرجة إلى كل عدة مئات السنوات، ثم إلى عشرات السنوات، من ناحية أخرى.

هذا الكم المعرفي المتضاعف يزيل الغموض كل يوم عن المزيد والمزيد من الظواهر ويكشف كل يوم بل كل ساعة عن جديد كان في عُتْمةٍ قبل أن تسلط عليه أضواء العقل والعلم والمعرفة.

ورغم التطور الهائل الذي أصاب العقل البشري، ومن ثم العلم الذي هو نتاج التفكّر والتأمل والتطبيق، فإنه مازال يعيش في المجتمعات المتخلفة العديد ممن لا يؤمنون بالعقل إماما ولا بالعلم سبيلا، فنجدهم مستغرقين في خرافات وأساطير يقدمونها على أنها حقائق، وهي لا تصمد أمام البحث والفحص والتمحيص، والمشكلة الكبرى في هؤلاء أنهم يلبسون تلك الخرافات لباس العلم، فنجد من يتحدث عنها بلغة عربية فصيحة رصينة خادعة، يتوهم المستمع فيها علما، ويظن المتابع فيها وجاهة، وما فيها من العلم شيء، ولا ترتبط بالوجاهة بسبب، ومما ينتشر في مجتمعنا المصري بصورة هائلة ويقوم على تسويقه منظرون ظاهرتي الحسد وخرافة السحر وأيضا ما يمكن أن يطلق عليه قدرات خارقة “البارا سيكلوجي” ، هذه جميعا التي يمكن أن نجمعهما ونضمها إلى ما يطلق عليه العلم الزائف.

والعلم الزائف (بالإنجليزية Pseudoscience ) ينطوي على التصريحات، أو الاعتقادات أو الممارسات التي يتم الادعاء بأنها علمية وحقيقية معاً، دون أن تكون متوافقة مع المنهجية العلمية، وما يميز العلم الزائف في العادة اتسام ادعاءاته بالتناقض أو المبالَغة أو عدم قابليتها للدحض، حيث يعتمد على الانحياز التأكيدي عوضاً عن المحاولات الصارمة لتفنيد ذاته.

كما يبرز أيضاً من صفات العلم الزائف عدم انفتاحه وتقبله لتقييم الخبراء الآخرين، وغياب الممارسات المنهجية في تطوير نظرياته المزعومة، والتمسك بها حتى بعد مرور زمن طويل على إفقادها لمصداقيتها بالتجربة والدليل، ويعتبر مصطلح العلم الزائف ازدرائياً، لأنه بذلك يشير إلى تقديم فكرة ما على اعتبار أنها علم بشكل خاطئ أو حتى مضلل، بينما يجادل ممارسو العلم الزائف أو مؤيدوه غالباً بعدم صحة هذه السمات.

وإذا تتبعنا كل من الحسد والسحر والشعوذة والتي يمكن اعتبارها فرع يندرج عن “البارا سيكلوجي” والذي هو ما وراء علم النفس أو علم النفس الموازي وهو دراسة الظواهر الفيزيائية المزعومة (الإدراك خارج الحواس، كما في التخاطر، والاستبصار، والجلاء البصري، والتحريك العقلي، المعروف كذلك باسم التحريك الذهني، والقياس النفسي) وادعاءات الخوارق، مثل تلك المتعلقة بتجارب الاقتراب من الموت، تلك التي خصصنا لها مقال سابقا تحت عنوان ” العائدون من الموت: ماذا شاهدوا وماذا أحسوا؟! “، والتزامنية، وتجارب التجلي، إلخ. ويعتبر كل ما سبق علمًا زائفًا من قبل الغالبية العظمى من جمهور العلماء، بسبب أنه، وبالإضافة إلى الأدلة التجريبية القابلة للتكرار، لا يمكن لادعاءات علم النفس الموازي “البارا سيكلوجي” أن تكون حقيقةً «ما لم تكن بقية العلم غير حقيقية».

ولقد حاولت العلوم الزائفة بعد أن ساد المنهج العلمي أن تنقذ الحسد من السقوط أيضا مع بقية الخرافات فصار مروجي العلوم الزائفة يحاولون ربط الحسد أو العين الشريرة ببعض المصطلحات العلمية لإضفاء ثوب العلم عليه – علي الوردي  مثلا وتابعه الشعراوي الذي ذكر نفس كلامه – حيث سمي الحسد بالعينائية وأدعي أن موجات معينة تخرج من عين الشخص وتسبب تأثيرات معينة على الأشياء والأشخاص، وكان في وقته يروج لفكرة أن ثورة أخرى في الأكتشافات ستحدث في هذا الاتجاه، غير أن الأيام مضت في حياته وبعد موته وتطورت وسائل رصد الاشعاعات والموجات الى أبعد الحدود واكتشفت أدق التأثيرات والموجات أثرة غير أنها لم تكتشف أبدا ما تكلم عنه دون دليل.

أما السحر،  والذي يرى إدوارد بيرنت تايلور (بالإنجليزية: Edward Burnett Tylor)‏ (2 أكتوبر 1832 – 2 يناير 1917) هو أنثروبولوجيا إنجليزي ومؤسس لعلم الأنثروبولوجيا الثقافية. ساعدت دراساته على تحديد مجال الأنثروبولوجية وتطور الاهتمام بذلك العلم. كان أستاذاً للأنثروبولوجية بجامعة أكسفورد (1896 – 1909 م). أهم كتبه ” الثقافة البدائية ” (1871 م) و” النثروبولوجية ” (1881 م)،  يرى تايلور أن السحر كان موجودًا في بادئ الأمر باعتباره تعبيرًا عن فكرة «الإحيائية»، التي ترى أن الأشياء — وكذلك البشر — لها أرواح أو جوهر روحاني. وكان الفكر الإحيائي والسحر سمة للشعوب «التي تحتل مراتب دنيا على مقياس الإنسانية».

ولقد صك تايلور مصطلح «العلم الزائف» لوصف السحر. وكان يعني بهذا أن السحر — على غرار العلم — يفسر العلاقة السببية بين الأشياء ويستغلها. لكنه علم فاسد؛ لأن افتراضاته وتفسيراته البدائية حول السبب والنتيجة كانت دائمًا خاطئة.

لقد وجَّه “تايلور” هجومه في المقام الأول إلى السحر، الذي وصفه بأنه «توليفة وحشية»، و«أحد أخبث الأوهام التي حيرت الجنس البشري.» وقد شبَّه الثقافات البدائية بالأطفال لأنها تحتاج مثلهم إلى توجيه كي ترتقيَ إلى مرحلة أعلى من الفكر.

وهنا نسأل أنفسنا: هل مجتمعنا، بما يحدث فيه من تأكيد على السحر – كما الحسد والخوارق كذلك – الذي يتم يستعمل فيه من يزعمون أنهم “علماء” دين، اللغة المغمّضة، ولغات اصطلاحية تقنية واضحة في محاولة مستميتة منهم لإكساب ادعاءاتهم هيئة سطحية مشابهة للعلوم.

أقول نسأل هنا هل ثقافة مجتمعنا ارتقت عن تلك الثقافات البدائية التي شبهها “تايلور” بالأطفال لأنها تحتاج مثلهم إلى توجيه كي ترتقيَ إلى مرحلة أعلى من الفكر؟!.

إنني أزعم أن التيار السائد في مجتمعنا المصري بل والعربي إنما هو تيار العقل الأسطوري الطفولي الذي يتم خداعه بتلك العلوم الزائفة، تلك التي تشل العقل والمجتمع شللا تاما، فما من أمة أو شعب يستطيع أن ينهض والغالبية العظمى منه تؤمن بالخرافات والسحر والشعوذة، ويقعون فريسة لكل من يستطيع أن يصيغ جملة تبدو بليغة، ولا يخضعها للتحليل والبحث، دون خوف ولا رعب يبثه في نفوسهم رجال دين يراكمون معارف خرافية يبنون بها أساطير وأوهام تعيق العقل من الانطلاق في آفاق الفكر وتكتف الإنسان ليظل أسير هؤلاء المؤمنين بالخرافة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: