الشعر والأخلاق

بقلم الأستاذ الدكتور رجب إبراهيم أحمد

الأستاذ بجامعة السلطان عبد الحليم معظم شاه

لا يكاد يخفى أن القيم الأخلاقية مثَّلت في حياة الإنسان- وما تزال- جانبا مهما حفظ له توازانات حياته، ولولاها لما استطاعت الإنسانية أن تصل إلى ما بلغته اليوم.

والمجتمع العربي القديم-الجاهلي- تشرَّب كثيرا من هذه القيم، وحكمت علاقاته مضامين أخلاقية، وقيم اجتماعية محددة بُنيت على أساس من رضا المجتمع، خضع خلالها الإنسان العربي لتلك القيم، والتزم بها، وحارب من أجلها، والدفاع عنها.

“فالعصور الخالية -التي سبقت العصر الجاهلي –كانت تحكم أهلها خلالها قيم خاصة بُنيت على أسسها، بصرف النظر عن طبيعة العقيدة التي آمن بها، أو طبقها الإنسان، فقد تخللت حياته قيم، منها ما يمكن وسمها بالخيرة، ومنها ما نسميها بالشريرة، وكيفما بدا لناهذا الإنسان متناقضا -في تعامله- مع تلك القيم أحيانا، فهو ذو نزعة دائمة –تقريبا- إلى تغليب القيم الخيرة على الشريرة؛لأن طبيعته مجبولة على الخير.( )

وجاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إنما بُعثتُ لأتممَ مكارمَ الأخلاقِ” فالحديث شاهد قوي على أن الجاهليين تمتعوا بمكارم الأخلاق،فأنصفهم،وعدل في وصفهم.

لقد سادت فيهم وبينهم خصال حميدة،وأخلاق كريمة،وقيم مجيدة،ولم تكن مهمة النبي –صلى الله عليه وسلم-إزالة هذه الأخلاق،بل كانت متممة مكملة..فما أدعى أن نتأمل هذه الأخلاق،لا سيما ونحن نعيش زمنا تكاد تغيب فيه الأخلاق.وعلى حد قول الأمير:

وَلَيسَ بِعامِرٍ بُنيانُ قَومٍ       إِذا أَخلاقُهُم كانَت خَرابا

لذا، من الحيف أن ينعت الدارسون هذا العصر القديم بالجاهلية،استنادا إلى فقدانه للأخلاق الحسنة، وسيادة الأخلاق السيئة فيه، فهذا ضرب من التجاوز والإبساس،فجاهلية العصر القديم إنما هي جاهلية بالدين،وليس جاهلية بالعلم أو الأخلاق،حيث ظهر هذا المصطلح بعد انبلاج رسالة الإسلام.

والذي يريد أن يقف على حقيقة القول فعليه العودة إلى سجل حياتهم، وديوان أيامهم، ألا وهو شعرهم، حيث سيتجلى له قيم أخلاقية صافية، وظلال وارفة من الحكمة نطقت بها فصائدهم؛ “فالشعر القديم هو الذي يمثل الخلق العربي الصميم”( )

غير أننا يجب أن نأخذفي الاعتبار “أن القيم الأخلاقية تأخذ لدى الجاهلي- في غالب الأحيان-مفهومين متناقضين أو متضادين فهو يحمل بذور الخير في أعماقه-لا محالة-ومن ثم فقد آل على نفسه أن يمجد تلك القيم التي تنم عن طيبته وكرمه وسخائه ونبله،وسمو أخلاقه،وعلو همته وأصالته وشهامته،ولكن-مقابل ذلك-هناك معطيات خارجية تجعل من بعض تلك القيم نقيضا لها يعيش داخل نفس الإنسان حين تقتضي الضرورة أن يبدَّل قيما بقيم أخرى حفاظا على وجوده أو درءا لمكروه”( ).

لقد عاش العربي القديم حياة قاسية فرضتها عليه الصحراء الوعرة، لكن مع صعوبتها شكلت عنده وعيا أخلاقيا، افتقده كثير ممن عاشوا حياة الترف والدعة في الحضارات الأخرى. وتمثل هذا الوعي الأخلاقي في أخلاق إنسانية راقية مثل إغاثة الملهوف،وإكرام الضيف،والرفق بالضعيف.

يذكر السجستاني عن دريد بن الصَّمة الجشمي، الذي كان من زعماء الجاهلية، حديثاً مهماً في طريقة حثّه الناس على الأخلاق الحميدة والعادات الطيبة. فقد جَمَعَ دريدٌ قومه وقال: «لا تحقرن شراً فإن قليله كثير، واستكثروا من الخير فإن زهيده كبير، واجعلوا السلام محياة بينكم وبين الناس، وإياكم والفاحشة في النساء فإنها عار أبداً وعقوبة غداً، وعليكم بصلة الرحم فإنها تعظم الفضل وتزين النسل، ولا تحضروا ناديكم السَّفيه، ولا تلجوا بالباطل فيلجّ بكم”.( )

يونيو 2023

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: