السرد القصصي .. حرب الوعي وإعادة بناء الحقيقة

السرد القصصي .. حرب الوعي وإعادة بناء الحقيقة

 

دكتور إبراهيم يوسف عبد الحميد

قسم الدراسات العربية، أكاديمية الدراسات اللغوية جامعة مارا للتكنولوجيا – ماليزيا

 

السرد القصصي هو ذلك الفن الذي ينطوي على عملية سرد الأحداث بترتيب منطقي، سواء أكانت تلك الأحداث حقيقية أم خيالية، بهدف استمالة الجمهور وجذب اهتمامه وإيصال رسائل معينة. ويتكون السرد القصصي من عدة عناصر أساسية، منها: الشخصيات، والحبكة، والإطار الزماني والمكاني الذي تدور فيه الأحداث. وتأثير السرد القصصي على الجمهور يعتمد بشكل كبير على قدرة القاص على استخدام تلك العناصر في سرد الأحداث وتقديمها بطريقة تجعل القارئ مشدودًا ومهتمًا بمجريات الأحداث، ومن ثم يتخذ القارئ موقفا من القضية المطروحة في القصة بناء على طريقة عرضها وتقديمها له.

وقد استُخدم السرد القصصي عبر التاريخ بشكل واسع لكونه وسيلة لنقل التجارب والقيم والتعاليم، وقد أظهرت القصص قدرتها على تشكيل وجدان الناس ونقل الحكمة والمعرفة وتوارثها عبر الأجيال. ومنها الحكايات التاريخية، والقصص الأسطورية، والروايات الشعبية التقليدية وغيرها من ألوان هذا الفن، وصولا إلى القصص المرئية في السينما والأفلام والمسرحيات. وبصورة عامة، فإن السرد القصصي وسيلة فعالة لتوثيق وتفسير التاريخ ونقل الثقافة والتعاليم من جيل إلى جيل، ومن بقعة إلى أخرى من أنحاء هذا العالم الواسع.

أما عن استخدام السرد القصصي لأهداف سياسية فهو أسلوب يعتمد على سرد القصص والحكايات لنقل رسائل سياسية أو تحقيق أهداف سياسية معينة. وتكمن خطورة هذا الأسلوب في قدرته على التأثير في الرأي العام وبناء التوجه الشعبي نحو قضايا معينة. ومن ذلك ما قام به الكيان الصهيوني من استخدام السرد القصصي بشكل متقن لنشر أفكاره وتشكيل صورة معينة للحقائق والأحداث في سياق احتلاله للأراضي الفلسطينية وسرقة الثقافة الفلسطينية وتزييف التاريخ. حيث قام ذلك الكيان بتشكيل سرد قصصي قومي منهجي، يروج لفكرة تأسيس دولة يهودية، والترويج لفكرة الحق في الأرض للشعب اليهودي. حيث تم استخدام القصص والروايات لتبرير التواجد اليهودي في المنطقة وتأكيد حق إسرائيل في الأرض العربية.

أدرك الكيان الصهيوني منذ نشأته امتلاك الغرب وأمريكا للقوة العسكرية، فاستهدف الجمهور الغربي والأمريكي لنشر حكاياته،  وترسيخ أفكاره ومعتقداته بقوة في عقلية الشعوب الغربية، وذلك بعد أن قام بإحكام صياغتها بالطريقة التي تستهوي العقل الغربي، وتنسجم مع التاريخ الأمريكي، فأمريكا نفسها قامت على جثث ورفات شعب آخر، بعد استئصاله وإبادته. بنى الكيان الصهيوني حكاياته وقصصه الزائفة على محاكاة الحكايات الأمريكية، حيث الأقوام الراقية التي جاءت إلى أرض جرداء، وصحراء جدباء، ومستنقعات قذرة، فقاموا باستصلاحها وتعميرها وبناء حضارة مدنية راقية. إلى جانب ابتداع حكايات دينية أو إعادة صياغة حكايات قديمة عن أرض الميعاد لليهود.

كل ذلك كان التمهيد كان له أثر بالغ في تهيئة العقلية الغربية لتقبل فكرة وجود الكيان الصهيوني، وتبرير أفعاله، بل والتعاطف معه ودعمه، لأنه يمثل لهم جزءا منهم، جزءا من حكاياتهم، وتاريخهم، وثقافتهم، ورقيّهم. فأصبح ذلك الدعم الشعبي الغربي هو الجناح الأول للكيان الصهيوني، إلى جانب الدعم العسكري الذي شكّل الجناح الثاني له.

للأسف؛ لم تدرك الشعوب العربية ذلك إلا بعد فوات الأوان، حيث انصب تركيز المواجهات العربية للكيان الصهيوني على المواجهة العسكرية، عن جهل أو تجاهل لأهمية مواجهة السردية القصصية الصهيونية، وإعادة نشر الوعي بالحقيقة المغيبة عن السواد الأعظم من الشعوب الغربية. حيث إن الشعوب الغربية لها دور مؤثر في توجيه حكوماتها على عكس الواقع في بلادنا العربية.

بالرغم من ذلك، ومع اشتعال العدوان الصهيوني على فلسطين في أعقاب طوفان الأقصى، ظهرت مؤخرا مبادرات جادة ومؤثرة في مخاطبة الوعي الغربي وتفنيد السردية الصهيونية، وإعادة نشر الحقيقة المغيَّبَة، لا سيما مع انتشار وسائل التواصل وزيادة المؤثرين العرب الذين يخاطبون الشعوب الغربية بلغاتهم، وثقافاتهم. إلى أن رأينا مؤخرا أثر ذلك في تحريك الشارع الغربي لدعم فلسطين بطريقة غير مسبوقة، والتأثير على حكوماتهم. خطوة -وإن جاءت متأخرة- بالغة الأهمية في سياق مواجهة الكيان الصهيوني.

الأهم من ذلك، هو مواصلة البناء على تلك الخطوة، وتوسيع مخاطبة العقلية الغربية، وتوعية الشعوب الغربية بحقيقة ما يدور في الأراضي المحتلة، وحقيقة ذلك الكيان الغاصب، وتفنيد السردية الصهيونية، ونزع الحاضنة الشعبية التي تدعمه في الغرب، وذلك عن طريق مخاطبة الغرب بلغته وثقافته من أجل إظهار الحقائق.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: