أخر الأخبار

الرجل والنُّورج

الرجل والنُّورج

يكتبها : محمد فيض خالد

كانت مشاعره العفوية كثيرا ما تُصيب من حوله بالذهولِ، فيكتفون منها بشيء من السُّخريةِ والتَّندرِ، فكلامه عن تَشاكسه مع عِجليّ النُّورج ، وجدالهما المستمر ، وخصامهما المحتدم ، وصراخ أخشاب المحراث حيِنَ  يُقبِّل وجهَ الأرض بأسنانهِ الحِداد هي من قَبيلِ الخَبل.

لكنَّهم وبمرورِ الوقت أدركوا أنَّ مَشاعره تَصدر عن سَذاجٍة ليس أكثر فاعتادوا، عُرِف بها مُذ جَاءت به أمه تحمله صَغيرا ، بعد أن ألقى والده عليها يمين الطلاق  ، لم تجد غير بيت أخيها الشيخ “حسن” ورحابة صدره ، فاستقبلها وأحسن وفادتها وصغيرها ، الذي لم يكن له بعد ربه غير دار خاله ، تَعلَّم ” عبدالعليم ” كيَفَ يُوقِّر خَاله ، دَرَّبته أمه طويلا على تبَجيله ، وواظبت على تلقينه عبارات الطاعة للعَائلِ الشَّهم ، الذي انتشلهما من ضَياعٍ محتوم.

عَاشَ عمره يُردِّد كطيور السماء مع كُلِّ صباح نشيد الولاء ، أن يحفظ الله خاله، وأن يَهبه من العَافيةِ كي يرد جميله، كَانَ الفتى فَحلا قويَّا ، صَلبَ العود، مَشدود العضل ذو بأسٍ شديد ، حَاد الملامح في صَرامةٍ ، غَير أنَّ قلبه الغَضّ، ورِقة طبعه ، اكسباه القَبول لدى أهل القرية ، الذين أبهرهم كيف أن عِملاقا مثله ، قد يبكيه صوت ” قِمرية” تصدح فَوقَ غُصِ شجرة.

وجد سلوته في أرغولٍ خَشبي قالت عنه أمه إنَّه لجده ، لا يُفارق يده  ،ما إن يخلو بنفسه حتّى تنساب أنغامه عذبة ، تراه وقد اتخذ مكانا أوان الحَصاد ، ومن حَوله تحلَّق الفَلاحون ينصتون في استسلام ٍ، وكَأنّ تقاسيمه تتهادى لحنا شَهيا من ألحانِ السماء ،تمَلأ الأجواء بعبقٍ فتان، يظل الناس  معه في طَربٍ وعمل خَلفَ النَّوارج ، هكذا حتى انقضاء الموسم.

ترعرعت ” سكينة ” ابنة خَاله أمام عينه، وتَرعرعَ حُبّها في قلبه حدائق واسعة، يَسقيها من حَنانه كمَا يسقي شجرة ” الحناء” التي غرسها صَبيا إلى جوارِ نافذةِ غرفته ، ما إن يَراها حتى يَشبّ حَريقَ الوجَد في أحشائهِ ، يصطلي في صَمتٍ ، وكأن صاحبنا يتلذذ بنيرانه المتأججة ، مُبكِّرا تنبهت فتاته لحبه وإلتياعه  ، كَما تَنبَّهت  من قبلِ لكَريمِ سَجاياه ونُبل خصاله  ، لم يكن خاله بمعزلٍ عن هذا الحب النابت ولا بما يجري بينهما ، لكنَّه تَوهّم أنَّ مشاعرهما البريئة  سرعان ما ستزول ، فابنته من رباتِ العفاف ، تقضي سحابة نهارها منشغلة ما بين الدرس والتحصيل ، و”عبدالعليم ” شاب عاقل يصون المعروف ، وفوق هذا وذاك لا يبرح حقله ونورجه ، والأيام كفيلة بطي ما نَشبَ بينهما من عَاطفةٍ.

غَابَ عن الشيخ أنَّ الحُبّ مَخلوق مُتمرد ، لا يخضع لسلطانِ بَشرٍ ، ولا تروضه العزائم ، ولا يَلقي بالا لحسابات المجتمع ، انزوى فَتانا على نفسه يهدهد أمانيه ، تطوف  بمخيلته صورة حبيبته ، فتسري في بدنه قشعريرة ، ويزداد وجيب قلبه ، فيعمد إلى أرغوله يَسكب عليه من لواعج وجدانه المَشبوب ، ويهبه طَرفا من مُهجته الحارة ، فتشبّ انغامه سِحرا حلالا.

ها هو يُغرِق نفسه في العمل ، يَطوف بمحراثهِ الغِيطان من مِيلادِ النَّهار وحَتَّى المَغيب ، يُجلجِل صَوته في هِمةٍ :” شي..يلا أمال ” ،حتَّى كانت أُمسية صّيفية رَجعَ  فيها كعَادتهِ ، ليجد الدارَ وقد غَاصت بزوارها ، وكُؤوس الشَّربات تَطوف  بيوت القرية ، وابتسامة تحدي تَكسو وجه خاله ، لقد خُطبِت ” سكينة ” لوجيهٍ من ذوي الأطيان ، دَارت الأرض من حوله ، وغامت الدنيا في عينيه ، جَاهدَ طويلا حتَّى تمالك نفسه ،رغم إعياءٍ استجمع قواه ليتَّخذ لنفسه مَكانا وسط أهازيج القوم ، يُغالب نَزيفَ قلبه ، ومَدامع لولا المَلامة لانفجرت منه دما.

انفض السامر ، لكن أحزانه لم تنفضّ،  رَاودته نفسه كَي يَصمد ويواجه ، لكنَّه آثر السَّلامة ، وعند الفَجرِ حَزمَ ملابسه ، وهَجَرَ عشه الآمن دون أن يتركَ خبر ، قالت ” وداد ” الدَّلالة إنَّها رأته يَجرّ عَربة بضاعة في شارع الموسكي ، وقال ” مفتاح ” سائق البيجو إنَّه يعمل في مَطعمٍ بالتَّحرير ، ويقول بعض الخبثاء لقد انهى حياته بيده بعدما خَابَ ظَنَّه في خَالهِ.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: