الدكتورة  فاطمة الحاجي ورحلة مع الفكر والثقافة حوار: أحمد طايل

الدكتورة  فاطمة الحاجي ورحلة مع الفكر والثقافة

حوار أحمد طايل

 

رحلة طويلة قضتها برحاب الفكر والثقافة ما بين كتابات وقراءات ولقاءات ودراسات نقدية وعمل أكاديمى كان التوفيق والنجاحات ترافق خطواتها، رغم معاناتها الخاصة والعامة للأحداث التى تمر بها ليبيا من صراعات ومحاولات الكثير من المتأمرين عليها لتفكيك اوصالها، رغم كل هذا إلا أنها أوجدت لنفسها مكانا مرموقا وبصمات ذاتية لها، ورغم إقامتها بتركيا بعيدا عن وطنها، إلا أنها مهمومة دوما بقضايا بلدها، وخاصة الزاوية الثقافية التى هى الركيزة الأساسية لرقى الشعوب، كل هذا وبعد حديث معها أيقنت أنها تحمل الكثير من الرؤى والأفكار ما يثرى الحياة الثقافية، لذا أسرعت لإجراء هذا الحوار مع الكاتبة الموسوعة الدكتورة…فاطمة الحاجى..ليبيا الشقيقة.

لا شك ان الوعي المبكر  بتناقضات المحيط، يثير الأسئلة القابعة في الفكر، فكان الحاح الاسئلة للذات المتيقظة لاشكاليات عديدة منها شكل البيوت ، والحدائق،الأ شجارالعالية في فناء بيتنا، غناء العصافير، طنين النحل ، علاقة الرعد والامطارالوطيدة، وجودي كطفلة لاسرة يحل الكتاب فيها ركنا مهما  ساهم في بلورة معرفة متناقضة بين الموجود في الكتب، وتخلف مجتمعنا العربي، لم تكن تغريني حكايات جدتي التي التففت حولها مع اخوتي لتسرد علينا حكايات وخرافات الغول، والسبع اميرات،  بعد ان اكتشفت حكايات الف ليلة وليلة، ودواوين شعراء كثر. وتاريخ الأندلس وشعر ولادة بنت المستكفي وابن زيدون، وعجبت لمدى الانفتاح في تلك البيئة المتطورة قياسا بما نمر به في بيئة منغلقة.

درست في مدارس كانت المناهج المتشددة هي السائدة رغم تفوقي  في التحصيل الا أن الدراسة كانت رحلة خوف من عصا المدًرسة ولم تكن رحلة ممتعة الا عندما أنهي فروضي المدرسية وأتفرغ للقراءة الحرة ، حيث كانت مكتبة أبي عامرة بكل الكتب خاصة الدينية منها وكتب التصوف،  فاطلعت على كتب الفقه وانا في سن مبكرة ، والشعر القديم وحفظت نهج البردى ، والفية ابن مالك، وشعر ابن الفارض ومحي الدين ابن عربي، ثم زودني أخي الاكبرالذي بدأ مشواره الأدبي وبانت عليه موهبة الكتابة  بروايات من الأدب العالمي المترجم فقرأت  رواية “جون إير”، ورواية” الحرب والسلام”،” أنا كرنينا”” مدام بوفاري”، “البؤساء”.

في المرحلة الاعدادية بدأت في رحلة الكتابة وكانت باطورة انتاجي محاولات شعرية  شجعني على إلقائها في الإذاعة المدرسية أستاذ اللغة العربية الذي كان من جمهورية مصر العربية وتنبأ لي بمستقبل في مجال الإبداع. القيت اول قصيدة في المركز الثقافي المصري بطرابلس وعمري اربعة عشر عاما حيث كنت برفقة اخي الأكبر.

ثم واصلت تعليمي الجامعي والعالي وانا متزوجة ،لم أجد نفسي في  كتابة الشعر ولا القصة القصيرة ثم انقطعت للتفرغ للدراسة المعمقة العليا والحصول على الدكتوراة خارج الوطن فكان مجال النقد من التخصصات التي وجدت نفسي فيه. وكان اهتمامي بمفهوم الزمن في السرد، ثم توسع اهتمامي  بهذا المكون المهم في الفكرالعالمي بصورة عامة وفي الفكر العربي بصورة خاصة، نشرت كتاب مفهوم الزمن في الرواية الليبية، ثم كتاب حول المناهج النقدية. ونشرت عدة مقالات حول قضايا مهمة مثل الجسد في الرواية العربية، اقثصاد اسرائيل، المدينة في النص الروائي،

وشاركت في عديد المؤتمرات الجامعية ببحوث متعددة حول تحليل النص السردي، وتحليل النص الشعري،

لعل الرواية أهم أعمالي الإبداعية، والرواية من أصعب الفنون الأدبية  كما نعلم جميعا  ، وفي مقاربتها نقديا أيضا، أما الحديث عن هذه التجربة فهي المهمة الأكثر صعوبة لاتساع البنيات التعبيرية وتشابكها،من جهة، وفي العملية الإبداعية المعقدة ، ثم التطرق لقضايا حيوية ملاصقة لها، مثل  القارئ ومسألة التلقي،وقضايا النشر وظروفي الخاصة، لقد تبلورت  هذه الدوافع و جاءت ليس للتعبير عن قضايا ذاتية محضة  أو للتعبير عن المخزون المعرفي ودور البطل المشارك ، وإنما جاءت ” حسب ظني” نتيجة تفجر موهبة مقموعة لسنين طويلة  في ذاتي، ذاتي التي تاهت في التجريب والدراسات  والواجبات الأسرية، ومعاناة الحياةعموما. وشعوري في لحظة الخلق  ان لاحياة لي بدون كتابة الرواية،  كما يرى بعض النقاد  مكانة السرد  القيمة التي تصل الى معادلة الحياة “قال  تزفيتان تودوروف” المسرود يعادل الحياة وغياب المسرود يساوي الموت”.    ايماني العميق ان الانسان في أمس الحاجة  االآن إلى الأدب والفن في زمن هجوم التكنولوجيا على كل مناحي الحياة العصرية وتشيء الانسان في العالم المادي. وفي ظروف التهديد الوجودي لنا

وانتهيت بكتابة الرواية، الرواية الأولى كانت بعنوان” صراخ الطابق السفلي” طبع دار النهضة بيروت، وقد لاقت اهتماما من النقاد في ليبيا وخارجها لانها الرواية الليبية الاولى التي تحمل نظرة نقدية لفترة الثمانينات وحرب تشاد وتقلبات التغيير في المجتمع الليبي. كتب الدكتور اليسع حسن من جامعة الخرطوم حولها قائلا”

“صراخ الطابق السفلي ..رواية للكاتبة الليبية د. فاطمة سالم الحاجي عنوان يسوقك بعنف الى همس الموج والصحراء رواية يحير أمرها ورغم انها من وجهة نظري تركن الى أدب الواقعية السحرية ، كذاك الذى لجأ اليه ماركيز والطيب صالح ونجيب محفوظ واخرين تسيدوا ساحة الرواية العالمية عبر القرن العشرين ، إلا أن صراخ الطابق السفلى تصفع كل تلك المسلمات ، للرواية عدة ابطال وعدة رواه. نشبهها بادب السيرة الذاتية فتطل الشاعرية على تخوم الاسطورة تنقب فى خبايا الروح الوالهة ( بقيت الأناشيد وحيدة فى الساحة تولول— مددت له شوق القلب). الرواية تلعب على الثنائيات والتضاد ، الشوق للحظات العشق تنساق لرؤى فرويد ووجودية سارتر تشدها الضرائح والمقامات وتأملات الغزالي، ووجد الجنيد البحر نهبه الأسرار، ويهبنا الخلود والسحر والطلسم نبثه اشواقنا ورغباتنا المؤودة على سفح الصحراء وسطوة الفقه الذكوري تكاد تبصر روح فاطمة الحاجى تتسلل بأنانية الذات عبر جسارة سعاد وكبريائها وتحديها وكأنها ( مصطفى السعيد ) ولكن يجئ حازم وكرستينا ووليم وعائشة ونتوه فى صراخ لحد الإرباك . فاطمة كأنها أرادت أن تقول كل شئ فى عالم يرفض السمع والإنتباه عدة روايات فى رواية – استنطاق الذات واعترافاتها عند حوائط بكائيات البحر بعلم بخبايا النفس وصراعها لحد الدهشة “.

كانت القراءات النقدية تحمل السعادة بلا شك للذات المبدعة فالنقد هو الذي يعطي حيوية للنص الروائي وتوضيحا واكتشافا لجماليالته ودلالاته. وقد استقبل بعض نقاد الرواية في ليبيا أوخارجها  بترحيب،  وحظيت بقراءات مهمة جدا وأدركت بعض الجهات العلمية أهميتها حتى افسحت لها جامعة بنغازي الموقرة مساحة في مؤتمر النقد والأدب المنعقد في  2022 ، وكانت الرواية محورا من محاور مؤتمرها .

كتب عنها من السودان الاستاذ يسع حسن من جامعة الخرطوم  ومن مصرالاستاذ  سمير عبد السلام في الحوار المتمدن” شعرية الوعي وتفاعل الهويات الثقافية في صراخ الطابق السفلي”في ديسمبر 2019 ومن المغرب الاستاذ محمد الخمليشي مقالا في الحوار المتمدن بعنوان “عندما يختنق الحب في أروقة الجحيم ” في 2-7 2022 ومجموعة من النقاد مثل الدكتور نور الدين الورفلي مقالا تحليليا مهما. ، كتب الاستاذ يونس الفنادي موضوعا نقديا بعنوان ” صراخ الطابق السفلي بعض تاريخنا المؤلم”.  وأفسح لها حلقات من برنامجه المسموع قراءات في الشعر والأدب اكتوبر 2020، والأستاذ منصور بوشناف أفسح لها حلقة من برنامجه المرئي القيم”  كتاب ” و الأستاذة صبحية عودة من جامعة  صبراتة  كتبت عنه دراسة  بعنوان” العتبات في الرواية الليبية النسوية فاطمة الحاجي نموذجا مقاربة سيميائية”، الأستاذ سالم العوكلي نشر مقالا حولها بعنوان “صراخ الطابق السفلي في زمن السفلة” في بوابة الوسط نوفمبر 2019، الدكتورة أريج خطاب تناولت” الطيف السياسي” عنوانا لمقالتها في صحيفة البوابة نيوزيوليو 2020 ،  تناولت الأديبة فاطمة بن محمود من تونس عنوانا يشير إلى” أدب الدكتاتورية في صراخ الطابق السفلي”  احتفاء جمعية الكاتبات المغاربيات سنة 2020 بالرواية، كتبت الشاعرة  حواء حولها مقالا بعنوان “صراخ الطابق السفلي والبحث عن الحب والحرية” في صفحة بلد الطيوب اكتوبر 2016، وكتبت الشاعرة مريم سلامة مقالا في بلد الطيوب عنوانه “في صراخ الطابق السفلي” ونشرت صحيفة بلد الطيوب عنوانا مثيرا للكاتب السوداني الدكتور اليسع “من أراد أن يقرأ ليبيا فليقرأ رواية صراخ الطابق السفلي”،  ولا يسع المجال لذكر كل ما نشر عنها ولكن ما أود قوله أن هذه الآراء النقدية وهذه العناوين المختلفة والمقاربات  بقدر ما أسعدتني بقدر ما فتحت تجربتي على تفهم الجانب النقدي لاكتمال العمل الأدبي بين الكاتب ومتلقيه ودفعتني لمزيد من التأمل في العملية الإبداعية.

النقطة المهمة التي أسعدتني في هذه التجربة هي إحساس القارئ بالوجع المشترك تقول الشاعرة حواء “اعترف ان قراءة هذه الرواية موجعة وانها تذبحني وتحرق اصابعي واخجل امامها ، رواية كبيرة مغموسة في الألم “. واحد النقاد قال انه ذرف الدموع عند قرائته للرواية.

عبرت الشاعرة مريم سلامة  عن اكتشاف نفسها داخل الرواية” القارئ يرضخ لفعل الابداع وأمره فيستقبل الضوء ويمرره. ويستجيب لندءات الاندهاش ويستلذ ركوب الجبل الوعر وشوك أحراشه في رحلة البحث عن أصل الحكاية .” الحكاية التي كانت مريم سلامة أحد شهودها بل في كثيرمن الأحيان يختلط عليها الأمر وتظن أن سعاد هي مريم وان مريم هي فاطمة يستكشفان معا منخفضات ومرتفعات الدهشة البكر وهما على مشارف النضوج المعرفي في الجامعة، أحيانا تتركني وحيدة أمرر يدي على هذا الجدار أو أصعد أو أنزل هذا الدرج أو ذاك ، انظر في تلك اللحظات التي لازالت حاضرة بأدق تفاصيلها وكان سعاد بضفيرتها التي تلامس خصرها بعشقها للعربية وتراثها وشغفها بكتابة الشعرهي أنا، تعيش تفاصيل ذلك اليوم المشهود وغباره الأحمر الذي لا ظنه يغادر الذاكرة يوما ……. هذه التجربة الفريدة وهي أن تجد نفسك شاهدا وحاضرا في النص الإبداعي الذي كان من الممكن أن يظل غائبا وممنوعا وفقا لإرادة مبدعه هل هي قصة حب في أروقة الجامعة أم قصة وطن تحولت أروقة الحب فيه إلى طوابق سفلية وأنات العشاق وتنهيداتهم إلى صرخات مكتومة”  وجاء النص الروائي ليطلق هذه الصرخات على مسمع الوطن.

أكتفي بهذا القدر من الآراء النقدية التي لا يتسع المجال لمحاورتها على عظم أهميتها ، ولكن النقطة المهمة التي اود توضيحها ان الرواية   اكتملت صورتها عندي عندماعبًرت عن وعي الألم الفردي و الجمعي المشترك.  وهذا ما تبين من الدراسات النقدية التي اكملت مهمة الرواية.

الرواية عبرت عن الآلام المشتركة فأفكارنا المنتجة تولد من الألم ، والألم هو ليس الذات الموجوعة،  ولكنه وعي الذات بالألم، في تحويله لوعي يفارق العلة الكامنة في أعماقها القيمية والإنسانية. فالابداع ما هو الا تصوير ا لبؤس البشر في أزمة وجودهم وصراعهم من أجل تحقيق الذات، و البحث عن الحب والمتعة ونشدان الحرية واستبعاد الفناء، ، فيصبح الألم قيمة مكونة للجمالي والفني في الرواية، الألم الذي ينشده الروائي ويكشف عن أسرار عمق الكائن البشري في رحلة الحياة فيتكون أيقونة الألم متجسدة في سحر الفن.

والرواية الثانية بعنوان” رحيل اريس”

كم هوشاق أن أعود إلى وصف لحظة الكتابة وأن اتحسس جرحي  لأشكل ترتيب الأوجاع القابعة في الذات لأكتب رواية هي طوق النجاة لي من أغوار العدم، ومن خيانة الصمت عندما يستوجب البوح والانفجار، الخيانة للذات قبل الوطن عندما يتناسخ الكلام ولا يبح بالحقيقة عبر ممرات الزمن وأروقته المعتمة.” رحيل آريس” رواية صادمة تسرد ما  يحدث في ليبيا من صراع يشترك فيه شخصيات متصارعة مختلفة الايديولوجيات والأوجاع، ويتدخل في الصراع شخصيات عربية تعرضت لعدوان “الجحيم العربي” فيتحد الجرح العربي في مواجهة الذات المنشطرة بالبركان الذي انفجر في المنطقة ولم ينج أحد من الاحتراق . كل شخصية تحاول ان تنتقم من عدو مباشر وغير مباشر وعدو وهمي ، وبعض الضحايا تتكون لديهم فكرة مختلفة على مقاومة العدوان لينكشف وهم الذات العربية لتتضح التناقضات بين سلوكنا وما ندعيه من قيم نبيلة وفي هذا الفضاء المختلف الغائم بالقتل والانتقام والعدوان ينبت الحب  والعشق الضامئ بين ثنيات الأحداث فيجعلها أكثر إثارة وتعقيدا بين الشخصيات المعطوبة بفعل الحرب وتشوهاتها وانتهاء الأنظمة السياسية وما خلفته من تشوهات وكراهية.

احتفى بالرواية عديد المنابر الثقافية في الوطن العربي مثل بيت الرواية بتونس  حيث أقيمت أمسية نقدية حضرها نقاد وكتاب وشعراء لمناقشتها . واحتفت المكتبة المغاربية بتونس بصدور الرواية ، وأقيمت أمسية نقدية بمكتبة المكتبة بالعاصمة تونس ،  كما احتفى بها مختبر السرديات  بمكتبة الاسكندرية العريقة ، حيث  قدم النقاد المتخصصون  تحليلات نقدية هامة حول تشكل النص والقدرة الفنية الجمالية التي يختزنها النص الروائي رغم الألم الذي يتفجر من ثناياه في كل مراحله

كتبت الصحفية الاستاذة  حذامي كتبت حولها في جدريدة العرب مقالا بعنوان” رحيل أريس” غارنيكا ليبية بطلاتها النساء” بتاريخ 24/7/ 2022.  كتبت الاخت سعيدة  الشريف من المغرب عن الرواية انها رواية رهيبة وفجائعية وبقيت الشخصيات تسكنني الى الآن، موسى حور عامر زهرة بابكر مبروكة والطفل الصندوق،”

وعبرت الشاعرة إخلاص فرنسيس في الندوة النقدية التي إقامتها الغرفة 119 حول الرواية  ما معناه “انها لم تستطع مواصلة القراءة دفعة واحدة  حتى النهاية لأنها تحتاج لفترة استرداد نفسها من هول القضايا المحزنة والتصوير التراجيدي في النص”. حيث قدم الدكتور محمد الشياع من أمريكا دراسة نقدية قيمة حول الرواية في هذه الأمسية .كما تناولتها بعض وسائل الاعلام مثل راديو مونت كارلو، محطة السكاي نيوز، قناة الجزيرة، وعديد الصحف الليبية والعربية.

رغم هذا الكم من المصاعب  كان لابد لي أن أكتب ما هو خلف الصورة ، أكتب عن كل ما تشكل وتأطر خارج البراويز ، يبقى سلاح الرواية طريقة القول، يبقى لها  صيغة تشكلها ، يبقى للرواية وهي جنس ديمقراطي إمكانية رسم تجربة مفزعة أكثر مما روته الأساطير حيث تظهر الرواية  كما قيل عنها “أداة للمقاومة” لا أعني المعنى السطحي للفظ مقاومة” أي التحريض “وانما مقاومة الوجع بالكتابة، لتكون الرسالة للقارئ لتحفيز الوعي المذهول ليقاوم الوجع المشترك ، بناء فكر يبني جدارا ضد تفتت الأوطان ، فمن غير الرواية له إمكانية السرد الذي يعري الواقع ويعيد للأذهان الصورة  لنعيد تأملها وندرك أنها ليست صورة وإنما سرد فني موثق  لتأمل الذات بمساحة من العمق،صورة هدم الإنسان بفعل الحرب، والظلم، وهدم المدن وتهجيير البشر ونسف جذورنا بأيدي أبناء الوطن، تبقى الرواية فعلا صامدا للوجود، كي لا ينسحب الإنسان من على هذه الرقعة بلا دليل على وجوده إلا الفقاعات. وتصبح الرواية المفتاح الرئيسي والصورة الثابتة للوجود والقابلة للتأمل. كتبت هذه الرواية لأنني لم أستطع أن لا أكتبها.

تحتل الرواية  في ليبيا مركزرئيسيا  في المشهد الثقافي وأحرزت الرواية الليبية على عديد الجوائز وهذا يدل على حضور متميز على ساحة الرواية العربية. وصلت رواية الأديبة رزان المغربي “نساء الريح” الى القائمة الطويلة من جائزة البوكروقد كانت من الروايات التي اهتمت بالهجرة غير الشرعية ومعاناة المهاجرات، كما وصلت رواية زرايب العبيد للأديبة نجاة بن شتوان الى القائمة القصيرة من جائزة البوكر  في السنة التي كنت محكمة ناقدة في تلك الجائزة ، كما وصلت رواية الأديبة عائشة إبراهيم “حرب الغزالة” الى القائمة الطويلة من نفس الجائزة أيضا وفيها تؤسس لتاريخ ليبيا القديم وتستنطق النقوش الكهفية  قبل اكتشاف الكتابة المسمارية والهيروغليفية ، وفازت رواية  محمد القاضي ” خبز على طاولة الخال ميلاد” بجائزة البوكر.

كما فازت روايات إبراهيم الكوني بعدة جوائز عربية وعالمية، وتعتبر رواية المرحوم أحمد إبراهيم الفقيه “خرائط الروح” بأنها أطول رواية عربية  وتتكون من 12 جزء وتتناول تاريخ الاستعمار في ليبيا، وفازت ثلاثيته “سأهبك مدينة أخرى” كواحدة من ضمن أفضل مائة رواية عربية. كما فازت رواية  هشام مطربجائزةب وليتزر عن فئة السيرة الذاتية ،كما تحصل الروائي عبد الله الغزال على جائزة الشارقة للابداع العربي عن روايته” التابوت” كما فازت روايته “أضحية  الماء والطين “بالمركز الأول في مسابقة راشد للإبداع.

كما يتصدر المشهد الأدبي عدة إصدارات مهمة جدا ربما لم تتقدم للجوائز ولم تنل حظها من الإشهار والإنتشار للظروف  الخاصة والتراجيدية التي تمر بها ليبيا في الوقت الراهن،مثل رواية” ليالي نجمة” للمرحوم خليفة حسين مصطفى ، وأعمال الروائية عائشة الأصفرالتي أذكر منها رواية ” النص الناقص”، وأعمال الأديب منصور بوشناف ” العلكة” ،وغيرهم  من الادباء لا يتسع المقام لذكرهم جميعا.

في مشروع الكتابة لا اختار وجهتي وانما تأتي  الكتابة عفوية منبعثة من الام الروح المتأثرة بما يدور في عالمنا من أحداث تحرك الساكن وتفجر البراكين ، وحلمي الابداعي ان تصل رواياتي الى اعلى نسبة من القراء.

لا شك ان المعرفة النقدية لها تأثير على الكتابة الابداعية فالكتابة تنضج بهذه المعارف ولا اعتقد ان للكاتب عمر افتراضي يجب ان يتوقف عنده ، ورأينا كتابا وصلوا مراحل عمرية متقدمة وظل انتاجهم الأدبي غزيرا فما دام الانسان قادرا على العطاء لا يجب أن يتوقف.

لا أكتب سيرتي الذاتية فهذا موضوع آخر ، ولكن لا شك ان الكاتب يتأثر بخبراته ومعارفه وتجاربه

عنواني هو” روح  تحلق عاليا”.

بخصوص الجوائز الادبية  وهل تذهب هذه الجوائز لمن يستحقها ؟

فعلا أحيانا نستغرب من فوز عمل أدبي بالجائزة ونحن نرى انه لا يستحق هذا الفوز، ولكن للجان التقييم آراؤها وتقييماتها ومؤثراتها، وقد يصب الاهتمام على جانب معين في التقييم ، لا أستطيع الجزم بتدخل العلاقات غير الموضوعية في عملية الفرز والتخصيص.

وتبقى الجوائز محفزا للكتابة والإبداع والانتاج الادبي الذي يكون بناء لفكر الأمة ووعيها  مهما اختلفت الآراء.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: