البلاغة ممارسة تواصلية 28  

دكتور أيمن أبو مصطفى
بلاغة الصورة بين الإقناع والتأثير والتخدير
في ظل التطور التكنولوجي الرهيب الذي نعيشه، أصبحت وتيرة الحياة متسارعة، وأصبحنا في حاجة لما ينقل لنا الأخبار ، ولم نعد نهتم بالخبر الإقليمي فقط، بل صرنا نتطلع للأخبار العالمية.
وهذه الأخبار في هذا السياق أصبحت تعتمد على الإيجاز في التعبير، ومن ثم كانت الصورة هي أنسب وسيلة تقوم بهذا الدور، فالصورة تنقل المشاعر والانفعالات التي ربما يصعب أن تصاغ بالكلمات.
لقد انتقل نقل الخبر من حيز الصوت إلى الصورة، فانتقل الخبر من الأداء الشفاهي إلى التعبير بالصورة، انتقلنا إلى الثقافة البصرية التي تعرف بأنها “منظومة من الرموز والأشكال والعلاقات والمضامين والتشكيلات التي تحمل خبرات ورصيد الشعوب”
ومن هنا كانت الدراسات التي تدور حول التشكيل الصوري الذي يعتمد على الصورة ، والتي تدور حول البحث الفلسفي في استيولوجيا المشاهدة وسيميوطيقية الصور والعلاقات البصرية وحول البعد السيكولوجي للمجال البصري”
فالصحفي يسعى إلى صياغة الوجدان والفكر وصنع التغيير، ومن هنا فنحن في حاجة إلى صحفي يدرك قيمة الكلمة في الحياة.
ولذلك يذهب جون بيرجر إلى “أن الصورة أقوى من أن تكون موصلا للأيديولوجية ، وإنما هي سلاح يمكن أن نستخدمه لصالحنا ، ويمكن أن يستخدمه الآخرون ضدنا”
ولذلك نشير دائما إلى أن الصورة الصحفية” ليست مجرد مجموعة عناصر، ولكنها صياغة لعلاقات هادفة بين هذه العناصر،ولا يمكن دراستها بمعزل عن دلالاتها ومعانيها”
فكما نبحث في التراكيب البلاغية عما وراء اللغة، أو المعاني الثواني، فإننا في بلاغة الصورة الصحفية نحاول الكشف عما وراء الصورة، مما يجعلنا نبحث عن دلالات الصورة وما تحمله من قيم إخبارية.
فالصورة بجانب دورها الإخباري تحمل دلالات نفسية، وتكشف عن قصدية، وتأتي لتكون ذات صبغة إبلاغية.
فهي أيقونة تجمع بين الصوت واللون والحركة ، وتهدف هذه العلامات السيميائية إلى دعم المعنى اللساني المثبت باللفظ، وإضفاء الحياة و الدينامية عليه فيضحي حركة مشهدية نامية، ولعل أهم الوظائف التبليغية التي تحققها الصورة أنها تخرج القيم المجردة من حيز الكمون إلى حيز التجلي فتصبح واقعا ماديا محسوسا.
فالصورة في الخطاب الصحفي لا تتحقق نجاعتها إلا في ضوء النسق اللغوي ، وفي هذا السياق يذهب إيريك بويسنس(E.Bryssens) إلى أن الصورة نسق دلالي قائم بذاته، لها وظيفة أساسة في التواصل ، وليست حشوية فيه ،بالنسبة إلى العلامة اللسانية الطبيعية، بل إن اللغة في كثير من الأحيان تحتاج إلى مثل هذه النظم السيميولوجية لتحقق وظيفتها التبليغية فهي وإن كانت دالة دلالة رئيسة إلا أنها لا تستطيع احتكار الدلالة .
وظيفة الخطاب اللغوي في الصورة
يقوم الخطاب اللغوي الموازي للصورة بوظيفتين أساستين هما :
1- الوظيفة الترسيخية
يتحقق هذا البعد بعدم تجاوز حدود معينة في تأويل الصورة ، فوظيفة اللغة هنا توجيه المتلقي إلى معنى معين ، وتثبيته في ذهنه على أنه المعنى المركزي،مما يظهر من عبارات مرافقة للصور الفوتوغرافية والملصقات الإشهارية.
2-وظيفة الدعم
انصهار المعنى اللغوي مع دلالة الصورة في معنى كلي مثل ما يلاحظ في الصور المتحركة كالأفلام والتحقيقات التجارية وغيرها ..
إلى جانب الاهتمام بالحوار الصامت الذي تعكسه الصورة، فالمتلقي يجري حوارا صامتا مع الصورة لمعرفة مدى ارتباطها الحدث، فيقوم بتنشيط الخبرة التي لديه، ويجمع كل ما يتعلق بالموقف أو الحالة التي يعتقد أن الصورة تعبر عنها.
ونحن نبحث في الصورة عما يحقق تماسكها البنيوي وذلك يكون من خلال تماسك المعنى التصوري والمعنى اللفظي.
كما أن طريقة الكتابة التوضيحية تؤثر في توجيه المتلقي ، ومن ذلك /الخط المائل/ النقطة / الخط العريض/ علامة السؤال/ لون الخط/ علامة التعجب/ الأسهم/ الإشارات/ كل ذلك يسهم في توجيه المتلقي نحو دلالة ما.
فاكتشاف العلاقات الدلالية يعني اكتشاف العالم الذي يجد فيه المفسر معنى الصورة، فالقارئ يحاول أن يصل إلى المعنى الرمزي الذي تشير إليه الصورة، فيستطيع أن يجد تفسيرا لهذه الرموز من خلال خبرته بالواقع وفكر الكاتب والمصور.
فيحاول أن يصل إلى الدلالة أو لنقل الدلالات من خلال تلاؤم معرفته مع العالم وما يتوقعه، من خلال فهمه للغة، وفهمه لتفكير الآخر.
فعبر سلسلة طويلة من العلاقات المختلفة تكون الأطراف صورا متقابلة لبعضها البعض، فتتخذ صورة الآخر في الموروث الحضاري لمغايرة أبعادا هي في المحصلة النهائية جزء من الصور الكلية الحضارية، هذه الابعاد قد تكون سياسية واجتماعية وثقافية ودينية……الخ.
كما أن الخبر الصحفي الذي يعتمد على الصورة يكون متسما ببساطة الجملة وكثافة الدلالة وتداخل المستويات اللغوية ( فصحى/عامية)، وبراعة الانتقال من السرد إلى الوصف أو البرهان أو التفسير،أو الدمج بين هذه الأغراض، والسجع .
الصورة والدلالت المصاحبة:
الصورة نسق تواصلي دال على معاني متعددة ،تقوم بوظائف متنوعة نفسية واجتماعية وتداولية وثقافية ،ولذا فإنها تجعل القارئ المدقق مطالبا بأن يكون ذا ثقافة واسعة، وأن يكون ذا اطلاع واسع،فتقوم الصورة بعدة وظائف منها:
1-الإعلام .
2- الشرح والتفسير.
3- المراوغة .
4-التمكين .
5- الإيجاز والاختصار .
6- التعليم.
7- التسلية والترفيه.
ولها دور فعال في السياسة وتعزيز دور الأفراد أو الأحزاب، كما أنها تستخدم لتشويه المعارضة.
تحليل الصورة:
يقصد بتحليل الصورة الوصف الدقيق الشامل للمادة المرئية المتضمنة في الخطاب المراد تحليله،وما تعبر عنه من معان صريحة ودلالات كامنة يمكن الاستدلال عليها.وإذا كانت الصورة بذاتها تشكل أحد العوامل ضمن الخطاب ،فإن هناك عناصر مرتبطة بها ،مثل :اللون ،والضوء ،والحركة ،وأسلوب توظيف الصورة في الخطاب ،ودلالات توظيفها ،ودورها المحتمل في التأثير على المتلقي.
للصورة أبعادها في العمق والتفاعل بين مكوناتها المختلفة ،وكذلك التفاعل بين مكوناتها المختلفة ومكونات الموضوع ،وفي المجال الصحفي يمتد نطاق تحليل الصورة ليشمل تحليل الرسومات التوضيحية ،والكاريكاتير ،والصور الشخصية.
وعند تحليل المادة المرئية فإن ذلك يعني وصف المادة من حيث المحتوى،وعلاقتها بالمكونات الأخرى في الخطاب،ودلالتها للفكرة،بمعنى ماذا تضيف؟وماذا تعني؟ولماذا جاءت على هذا النحو؟لقد مكن التطور التكنولوجي من إنتاج الصورة وأساليب توظيفها لخدمة أهداف معينة،وبموجب ذلك أصبح من السهل إنتاج الصورة بمواصفات فائقة الجودة وتطويعها لتعبر عن معاني معينة،بل ان هناك بعض الصور التي أثارت ضجة إعلامية كبيره على المستوى العالمي ثم تبين أن الأمر هو مجرد (تلاعب) قامت به بعض وسائل الاعلام ..والأمثلة كثيرة في تلاعب الصور خاصة للشخصيات المشهورة والمرموقة.
مثال: الصورة وقضايا الحركات الإسلامية في خطاب الصحافة الأمريكية “دراسة تحليلية مقارنة لصحيفة نيويورك تايمز وصحيفة واشنطن بوست”
تحليل الصورة تحليل غير اللفظي يتعلق بالتعبيرات غير اللفظية للكشف عن الدلالات والمعاني التي تعكسها الصورة ، فإن كانت صورة لإنسان يتم التركيز على تعبيرات الوجه وحركات اليدين،والإيماءات، ونظرات العينين،أي ما تعبر عنه لغة الجسد،وتستمد الرموز غير اللفظية أهميتها من أنها تكسب الخطاب معنى غير المعنى الظاهر،فتصريحات مسؤول قد تكون (جادة) اذا نظرنا اليها ككلمات وعبارات لكنها قد تكون غير جادة او تعبر عن عدم الاهتمام , او عن عدم الاقتناع او السخرية اذا نظرنا الى تعبيرات وجهه او حركات يديه , او طريقة نطقه للكلمات أي ان حقيقة الخطاب تكمن في الرموز غير المنطوقة وليس في اللفظ (الكلمات والعبارات).

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: