الأسلوب أولا   

الأسلوب أولا   

 

حاتم سلامة

 

يصر بعض أصدقائي أو ممن سنح لهم تفضلهم علي وحبهم لي، أن يكونوا من تلاميذي، أن أبدي رأيي في كثير مما يعرضونه علي من مقالات أو خواطر أو روايات وقصص ألفوها.

وتنطلق مخايل هؤلاء الكتاب المتفضلين في عوالم أخرى غير التي أنطلق منها، ويستقر عليها ذوقي، فهم يتوقعون من قراءتي لأعمالهم، أن أبدي هذا الرأي في الفكرة والحبكة والخيال والإثارة والمعنى.

ولكني للأسف أخيب ظنونهم كثيرا فيما يأملون، وقد أعترف لهم اليوم وبعضهم قد أعلنت لهم هذا، بأن أول وأثمن ما يستهويني في أي مكتوب أراه، هو الأسلوب، الأسلوب وحده هو المقياس الذي أقيس به الكاتب، أو أنه الرخصة والنافذة التي يدلل منها أي صاحب قلم كونه كاتبا.

فإذا لم يكن هناك أسلوب فلا قيمة بعد ذلك لأي شيء في نظري، وقد يكون هذا الكاتب عبقريا في فكره وطرحه، إلا أنه يسقط عندي ولا أمنحه لقب الكاتب، إذا كان أسلوبه مترديا، لأن الكاتب في نظري هو الأسلوب، والأسلوب في رأيي يعني ذلك الجهد الكبير في القراءة وسعة الاطلاع والتي هي الأساس في تكوينه وبنائه.

بعض الكتاب يصوغ رواية مدهشة في قصتها وأحداثها، ويحشد فيها من مواقف التأثير والتشويق ما يبهر الجنان، ولكنه يسوقها للمقصلة حينما يسردها بأسلوب هابط ضعيف.!

وهنا يعرف الجميع أن معنى الكاتب الذي يريد تحقيقه، شروط ومقومات، يأتي الأسلوب أهمها وأكبرها، بل هو المعبرة التي إن تحققت سهل كل شيء بعده، فبعض الكتاب، يكتب أشياء تافهة وأفكار ضعيفة، ولكنه بالأسلوب يجعل منها شيئا ذو قيمه، الأسلوب إذن هو السحر أو سر الصنعة لمن أراد الكتابة.

يمكن لأي إنسان أن يكون قصاصا أو راوية أو حكاء، ولكن ذلك لا يعني أنه كاتب.! الشئ الوحيد الذي يمنحه رخصة الكتابة، هو الأسلوب والتضلع في استخدام مهاراته من ألوان البلاغة والتصويرات والتشبيهات والمجاز والحس الأدبي، والموسيقى اللفظية.

يحاول بعض أحبتي أن يثنوني عن هذا السبيل، لكنني لا أستطيع.. فالقصص المشوقة ما أكثرها، لكن الجديد هو أسلوبك، فإذا لم يكن أسلوب فلا جديد عندي، وهي نظرتي التي أؤمن بها وتشرب بها طبعي، بل هو المشهد الذي سررت أيما سرور حينما رأيت أنه كان ذات المنحى للأستاذ العقاد.!

إذ يحكي الأستاذ أنيس منصور أنه كتب يوما مقالا في جريدة الأساس يوم الجمعة عام 194‪8 عن معنى الفن عند تولستوي، وحينما حضر صالون أستاذه العقاد سأله: إن كان قد قرأ المقال، فرد عليه الأستاذ العقاد: نعم يا مولانا وأعجبني أسلوبه.

يقول أنيس: انتهى كلام الأستاذ، وبدأ الكلام والآلام في أعماقي، لقد أعجب الأستاذ بالأسلوب.! أسلوبي! فقط الأسلوب لا الفكرة، ولا القضايا التي أثرتها، الأسلوب فقط.

ورغم الشهادة من الأستاذ بجودة الأسلوب، إلا أن أنيسا قد اهتم واغتم، ولم يدر ماقاله الأستاذ ذلك اليوم ووقت انعقاد الصالون، بل لم يدر كيف ذهب إلى البيت؟ ولم يدر كيف ذهب إلى جريدة الأساس وطلب إجازة مدة أسبوعين من رئيس التحرير، من شدة ما به من ثقل الأحزان.!

وأنيس ربما حزن لأنه يرى في نفسه أنه تخطى مرحلة الكاتب، ويطمح أن يكون مفكرا أو فيلسوفا، أما حينما يقول له العقاد: أسلوبك حسن، فهذا يعني أنه كاتب، وهو ما لا يريده، لأنه أمر مفروغ منه.

وأنت هنا أيها الكاتب، لا تفعل كما فعل أنيس حينما أخبرك أن أسلوبك عاليا، بل عليك أن تفرح، لأنك نلت مني الشهادة بأنك كاتب.

وهي درجة أو رتبة لن تحزن منها إلا إذا كان لك مأرب آخر غير الكتابة، كأن تظن نفسك فيلسوفا أو مفكرا.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: