الأستاذ الدكتور عبد السلام السيد حامد يكتب :  “ثابت الإيقاع متنوع الوقع” للعلامة الدكتور سعد مصلوح

تأملات في نظرية بلاغة التشكيل الصوتي

“ثابت الإيقاع متنوع الوقع” للعلامة الدكتور سعد مصلوح

تأملات في نظرية بلاغة التشكيل الصوتي

دكتور عبد السلام السيد حامد

 

((ثابت الإيقاع متنوع الوقع: رسالة في بلاغة التشكيل الصوتي للتفعيلة العروضية)) … أخيرًا وبعد شوق وطول انتظار داما أكثر من أربع سنوات منذ نَشْر الطبعة الأولى لهذا الكتاب النفيس، حصلتُ على هديتي منه في غير ما كنت أتوقّع زمانًا ومكانًا، خلال مَهمة علمية مباركة عجلى جمعتْني – على غير موعد – بوالدي وشيخي العلامة الجليل الدكتور سعد مصلوح في إسطنبول؛ فكانت من حسنات الزمان، والحمد لله الذي هدانا لهذا، والشكر لمن كان داعيًا إليه وسببًا فيه.

الأفكار الرئيسة لم تكن جديدة عليّ، فقد عرفت الخلاصة من صورة الكتاب الأولى، وهي المحاضرة التي تابعتُها عن بُعد آخر مارس سنة 2019، ثم لمّا كانت القراءة والأناة، كان لزامًا عليّ أن أُحيّي أستاذنا الإمام بكلمة من وحي تأملات الاطلاع؛ وفاءً بحقّ الشكر وواجبِ المثاقفة، وهذه هي في نقاط محددة:

1- الباعث على التأليف:

ذكر أستاذنا الإمام في فاتحة الرسالة أنها في الأصل كانت محاضرة استجاب بها لطلب الدكتور فيصل الحفيان، إذ دعاه للمشاركة في ندوة أقامها معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، كان موضوعها “مخطوطات العروض”، وذلك إثر اعتذار منه أعقبه إسماح، يُبين هذا قوله: “بيد أن الصديق الكريم قطع عليّ طريق الاعتذار، ووسّع عليّ ما ضيّقه عنوان الندوة، حين نبأني أن المباحثة في العلم ومسائله تأتي تمامًا على الفحص عن أمر مخطوطاته؛ إحياءً وإخراجًا وتحقيقًا. ولمّا كنتُ ولا أزال حفيًّا بكل ما يدعو إليه الحفيان من مناشط جادة= انقدحت في ذهني فكرة إنجاز هذه الرسالة التي تضمنتها فاعليات ندوة المعهد في صورة محاضرة، ثم شاءت الأقدار أن تظهر منشورة مطبوعة… أردتُ بالمحاضرة التي أُلقيت، وبالرسالة التي كُتبت أن تكون جوابًا على سؤال تلجلج في صدري وخالجتني همومه منذ النشأة الأولى قبل التحاقي بدار العلوم…” [ص9].

والشاهد من هذا أن الباعث المباشر على التأليف هو دعوة من صديق مسؤول عالم للمشاركة في ندوة موضوعها بعيد كل البعد عن دائرة اهتمام الأستاذ الجليل المدعوّ، ولولا ما عُرف به الدكتور فيصل – رغم سمته التراثي الأصيل – من سعة أفقه وعلو همته وحبه لصناعة المعرفة، وتفانيه وإصراره، ثم استجابة شيخنا العلامة – وهو من هو – ما كانت المحاضرة ولا كان الكتاب!

ولا ينبغي أن نستهين بمثل هذا الباعث، ففي رأيي أن سبب العلم له في العلم نفسه شأن أيُّ شأن! فالمعرفة – كما ذكر الدكتور فيصل نفسه في تقديمه لمحاضرة لي (يونيو 2020) – مُثلَّثٌ قاعدتُه المعرفةُ المباشرة ومسائل العلم، وجناحاه أحدهما علاقات العلماء الإنسانية، والآخر العلاقات بين المؤلفات!

2- البينية وخلاصة الرسالة:

البينية وتعدد الاختصاصات باقتدار سر العطاء والريادة عند شيخنا العلامة، ويمكننا أن نقول إن رسالة (ثابت الإيقاع متنوع الوقع: رسالة في التشكيل الصوتي للتفعيلة العروضية) تمثل ذروة الحلقة الثالثة في عطاء شيخنا الجليل في الدراسات البينية التي يرتاد فيها آفاق النقد الأدبي من منظور لساني متآزر مع البلاغة، وبهذا الاعتبار – مع شيء من المقاربة – تكون الأسلوبية الإحصائية هي الحلقة الأولى، والأسلوبية اللسانية هي الثانية. وإنما قلت إن هذه الرسالة تمثل “ذروة” الحلقة الثالثة لأن لشيخنا منجزًا سابقًا فيها، منه بحث “دي جروت”: (الصوتيات وجماليات القصيدة) الذي ترجمه وقال في صدر ترجمته: “والبحث من أوائل الأبحاث التي قرأتها وأسهمت في تشكيل وعيي بالعلاقة الوُثقى بين الصوتيات التي هي مجال اختصاصي الأول، والشعر الذي كان الولع به – ولا يزال – هوايتي الأولى”. [في اللسانيات والنقد: أوراق بينية، ص 337، وانظر أيضًا: المبحث الرابع من هذا الكتاب: جماليات القصيدة الصوفية بين الإنشاء والإنشاد: تأملات في لامية ابن الفارض، ص123].

وهذه الحلقات الثلاث (الأسلوبية الإحصائية، والأسلوبية اللسانية، و”ثابت الإيقاع متنوع الوقع”) تترابط وتتداخل معًا ويشد بعضها بعضًا، مع اختصاص كل واحدة منها بموائز. والذي يميز هذه الحلقة الثالثة – كما يبدو من عنوانها – أنها تستعين بعلم العروض وتجعله أحد أسسها الثلاثة وهي: العروض العلمي لا التعليمي وعلم الصوتيات وعلم البلاغة؛ وذلك من أجل قطع شوط آخر في سبيل عقلنة الذوق والنقد.

تقوم الدراسة على فرض أن “الإيقاع” هو قالب التفعيلة أو الوزن، وهو ثابت في تجارب الشعراء وقصائدهم، أما “الوقع” فهو الأثر السمعي الناتج عن تلقي الرسالة الصوتية التي تملأ القالب وتُحققه، على نحو يؤدي إلى الارتياح والبسط أو النفرة والإعراض. وعلى هذا، لا بد من البحث عن الأساس العلمي المفسِّر لهذا الأثر والذي يمكن أن يجيب أيضًا عن سؤال جوهري: كيف يمكن للبحر الشعري الواحد أن يعبر عن تجارب إنسانية متنوعة بل متعاندة أحيانًا؟

بالاعتماد على توظيف العلوم الثلاثة: العروض العلمي، وعلم الصوتيات النطقية والفيزيائية، والبلاغة بقسمها البديعي، أجاب شيخنا الجليل وقدّم مقترحًا عمليًا محددًا يمثل خلاصة رسالته وجوهرها، ويتكون هذا المقترح من ثلاثة أركان:

– الأول: سُلّم تراتبي عشري لصوتيمات العربية، بحسب حظها من النغم والجهارة وقوة الإسماع، وهو يبدأ بالحركة السفلى (المد الألفي ثم الفتحة…) وينتهي بالوقفيات المهموسة (همزة القطع/ت/ط/ك/ق).

– الثاني: استنباط تنوعات الوقع من السُّلم السابق وتصنيفها في فئات ثلاث: فئة الوقع الناعم، وفئة الواقع الجاسي، وفئة امتزاج الناعم والجاسي.

– الثالث: استظهار ثلاثة أنساق للتشكلات الصوتية هي: نسق المطابقة (ومن صوره القافية والأقفال في الموشحات وبعض صور التجنيس في علم البديع) ونسق المقاربة (مثل: يَنْهَون ويَنْأَون، والصفائح والصحائف) ونسق المعاقبة (يعتمد هذا على أداء الصوامت والحركات وطبيعة مخارج الأصوات في البيت كله، تعاقبًا وتجاذبًا، دون الاقتصار على أعيان الصوتيمات والكلمات المفردة) [ص59].

والركنان الأول والثاني يُعدّان شيئًا واحدًا لأنهما يمثلان أعيان الصوتيمات التي تُعد مسؤولة عن الضرب الأول من الأثر السمعي، والركن الثالث – وهو الأنساق الثلاثة – يُعد الضرب الثاني المسؤول عن الأثر السمعي، وحاصل تفاعل الضرب الأول والثاني من الأثر السمعي هو “الوقع” الذي هو مختلف عن الإيقاع في الشعر [ص 55].

وقد قدم شيخنا الجليل نماذج تطبيقية شارحة مختصرة على هذا كله، مدعومة بالرسوم البيانية. ومن المسلَّم به أن هذا كله يُعدّ إضافة علمية عظيمة في هذا المجال، ومنجزًا جديرًا بالإشادة به له ما بعده؛ لأنه مثّل توليفة معرفية مرجوّة للنهوض “بمهمة التأسيس الموضوعي للأحكام النقدية في ما يتصل بالتشكّلات الصوتية” [ص 89]. وقد شملت النماذج الشارحة في الوقع الجاسي ما جاء على شرط الملاءمة وما لم يجئ عليها. وكان مثال ما جاء مثالًا للملاءمة بيت أبي تمام:

السيف أصدق أبناءً من الكتبِ = في حده الحدّ بين الجد واللَّعِبِ

وإذا كان صوت الضاد من صوتيمات الوقع الجاسي ومنزلته في السلم التراتبي مع الوقفيات المجهورة (ب/ج/د) في الرتبة التاسعة، ويؤكد هذا أنه من القوافي النُّفُر – فليس من مجانبة الصواب في رأيي القول إن رائعة أستاذنا قصيدة “سبعون” – عند تحليلها وفق منظور السُّلّم التراتبي والأنساق الثلاثة – تُعدُّ من جياد النماذج التي جاءت على شرط الملاءمة في هذا الجانب:

سبعون مرّت وعمرٌ = من اللُّهاث تَقضَّي

سبعون مرَّت جَهامًا = يَذْرَعَنْ أُفْقَكَ رَكْضًا

أحْنَتْ صَليبًا وأذوتْ = ما كان بالأمس غضّْا

وأوسعتْكَ الليالي = ليًّا وبَسْطًا وقَبْضًا

…………………………………………………….

3-       المنهج المقترح وموقع تطبيقه من القرآن الكريم وغيره:

ذكر شيخنا الجليل محقًا أن هذا المنهج المقترح يمكن أن يكون “ذا جدوى في دراسة شعر المعارضات التي أعيت كثرة من الدارسين وتمنّعت عليهم” [ص 83]، وهنا يتبارد إلى الذهن سؤال: ما موقع تطبيق المنهج المقترح – عند نزع ما يتعلق بوزن الشعر منه – على القرآن الكريم؟

لم يشر أستاذنا إلى ذلك صراحة رغم استشهاده في بعض مواضع الأنساق بألفاظ من القرآن الكريم، ولكن الإجابة نجدها في محاضرة له (يوم 14 مارس سنة 2021) كانت بعنوان قريب من (آفاق بحثية في الدراسات القرآنية)، إذ كان المحور الثالث للحديث فيها هو أنساق النظام الصوتي في القرآن الكريم وما يتعلق به، وقد أشار صراحة إلى أن هذا النظام يمكن دراسته بصورة دقيقة جديدة إذا اعتمدنا على أمرين: الأول: معطيات السُّلَّم التراتبي العشري وما يعنيه من مفهومي الوقع الناعم والوقع الجاسي، والثاني: أنساق التشكيل الصوتي الثلاثة: المطابقة والمقاربة والمعاقبة. وليس ببعيد أن يُناط بهذه الرؤية تفسير الإعجاز الصوتي للقرآن. وفي رأيي أن ما يقال عن إمكان استثمار المنهج هنا في القرآن بهذه الكيفية، يمكن أن يسري على كل نص بليغ.

4-       لمحة في المصطلح:

من البيّن أن كل كلمة من كلمات عنوان الكتاب أو “الرسالة” مختارة بدقة وعناية، ومصطلحا “الإيقاع” و”الوقع” تكفّل أستاذنا بإماطة اللثام عنهما لأنهما أساسيان وجوهريان، وتبقى مصطلحات “ثابت” و”متنوع” و”رسالة” موحية بإشارات مختلفة – في رأيي – ليس ثمة مجال للحديث عنها في هذه العجالة.

وإذا كان لنا من وقفة عند مصطلحات المتن، فهي عند مصطلَحي “الوقع الناعم” و”الوقع الجاسي”، اللذَيْنِ أرى أن صياغتهما موفّقة مناسبة للرؤية أو النظرية المقدّمة. وإن كان هذا لا ينفي أن “الوقع الناعم” ترجمة لمصطلح (euphony) و”الوقع الجاسي” ترجمة لمصطلح (cacophony)؛ والأول معناه – كما ورد عند رمزي بعلبكي في معجمه للمصطلحات اللغوية – : تناغم، وتطريب، وعذوبة الصوت، والثاني (cacophony) معناه – كما ورد عنده أيضًا – : تناشز، وتنافر الأصوات.

***

وصفوة القول في هذه الرسالة التي صاغها أستاذنا الإمام “بلباقة فأدقّها وأجّلها” مع ما سبقها من أعماله الجليلة الأخرى– كما أتابع عن كثب – أنني أراه قد قدّم نظرية عامة متكاملة في “بلاغة التشكيل الصوتي” يمكن أن نسميها بهذا الاسم، تصلح لأي نص شعرًا كان أو نثرًا، وأساسها ثلاثة مكونات: السُّلَّم الترابي العشري، ومفهوما الوقع الناعم والوقع الجاسي، وأنساق النَّظْم الصوتي الثلاثة، ومن البدهي أن يُعتمد في توظيف هذه النظرية وتشغيلها على الاستعانة بمفهوم المقطع. وإذا أردنا أن نطبق هذه النظرية على الشعر زدنا مفهوم التفعيلة العروضية، على النحو الوارد في الرسالة (ثابت الإيقاع متنوع الوقع).

وأختم هذه الكلمة، بما ختم به أستاذنا الجليل هو نفسه رسالته من إشارة ملؤها الإخلاص والتواضع، وفحواها الدعوة إلى التطبيق الموسّع ورجع النظر، من حيث إن “التطبيق والإفادة البحثية الحق مما قلناه إنما يظهر أثرها وعطاؤها في معالجة نص بتمامه، بأجلى مما يظهر عند التعرض لتفاريق مشعثة من الأبيات والشواهد. وقد أشرنا في تضاعيف البحث إلى عدد من القضايا والمسائل، التي نراها جديرة بأن تكون موضوعًا لمزيد من الفحص والتدبر العلمي، لعل فيها ما يغري الباحثين في هذا المجال بصرف الجهود إليها رفضًا أو قبولًا، وتعديلًا أو عدولًا؛ وما التوفيق إلا بالله، وعليه سبحانه قصد السبيل” [ص 89].

حفظ الله شيخنا العلامة الجليل وبارك له، وأدام السعد والنفع به.

عبد السلام السيد حامد

الجمعة 10 مايو 2024م.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: