الأستاذ الدكتور صبري فوزي أبو حسين يكتب : كتاب الديوان للعقاد والمازني: قراءة في نقد النقد – الحلقة الثالثة

كتاب الديوان للعقاد والمازني: قراءة في نقد النقد – الحلقة الثالثة

الأستاذ الدكتور صبري فوزي أبو حسين

 

*مقاييس الأسلوب العالي:

يقول الأستاذ المازني في مقالته(أسلوب المنفلوطي):

ومعلوم أن الكلام لا قيمة له من أجل حروفه، فإن الألفاظ كلها سواء من حيث هي ألفاظ، وإنما قيمته وفصاحته وبلاغته وتأثيره تكون من التأليف الذي تقع به المزية في معناه لا من أجل جرسه وصداه، وإلا لكان ينبغي ألا يكون للجملة من النثر أو البيت من الشعر فضل مثلًا على تفسير المفسر له. ومعلوم كذلك أن الألفاظ ليست إلا واسطة للأداء، فلا بد أن يكون وراءها شيء، وأن المرء يرتب المعاني أولًا في نفسه ثم يحذو على ترتيبها الألفاظ، وأن كل زيادة في اللفظ لا تفيد زيادة مطلوبة في المعنى وفضلًا معقولًا فليست سوى هذيان يطلبه من أخذ عن نفسه، وغيب عن عقله، وأبلغ من ضلال الرأي أن راح يحسب أن تأليف الألفاظ تأليفًا طبيعيًّا مطردًا خاليًا من العكس والقلب منزهًا عن الحشو والحشر؛ يذهب برونق الكلام ويفقده المزية والتأثير. وينسى المسكين أن كلَّ كلمة يستطيع القارئ أن يسقطها بدون خسارة في المعنى أو تعويق لتحدر الإحساسات أو إفقار لغناها؛ كلَّ لفظة يمكن الاستغناء عنها قاتلةٌ للكاتب، فإن العالم أغنى في باب الأدب من أن يحتمل هذا الحشو ويصبر عليه، وليس شيء أحق بأن يثير عقل العاقل من عدم اكتراث الكاتب لوقته ومجهوده، وكم من كاتب أضرَّ به هذا الداء، وآخر ضئيل الشأن والحال لم يحيه من المزايا غير حبك الأداء، ولكن هذا كلام لا يفهمه المنفلوطي؛ لأن اللغة عنده ليست إلا زينة يعرضها، وحلي يخيل بها لا أداة لنقل معنًى أو تصوير إحساس أو رسم فكرة. ومن أين له أن ينزل اللغة هذه المنزلة وهو لا معنى في صدره ولا فكرة في ذهنه؟!

*العيوب المعنوية في النص:

يقول الأستاذ العقاد في مقالته رثاء مصطفى كامل ، وقد حددها في أربع: التفكك، الإحالة، التقليد، الولع بالأعراض:

العيوب المعنوية التي يكثر وقوع شوقي وأضرابه فيها عديدة مختلفة الشيات والمداخل، ولكن أشهرها وأقربها إلى الظهور وأجمعها لأغلاطهم عيوب أربعة؛ وهي بالإيجاز: التفكك والإحالة والتقليد والولوع بالأعراض دون الجواهر، وهذه العيوب هي التي صيرتهم أبعد عن الشعر الحقيقي الرفيع المترجم عن النفس الإنسانية في أصدق علاقاتها بالطبيعة والحياة والخلود؛ من الزنجي عن المدنية من صور الأبسطة والسجاجيد، كما يقول ماكولي عن نفائس الصور الفنية: ولكل من العيوب الآنفة أثر ظاهر في هذه القصيدة، قد لا تجده في غيرها من القصائد إلا مزويًّا أو دقيقًا عن فهم الكثيرين. وسنرى بعد سبر هذه القصيدة بهذا المسبار أن من نقائص الشعر ما لا يمنع أن يلمح له رواء معجب يستهوي البسطاء، بل ربما زادته جمالًا في الظاهر كالحلي المزيفة؛ فإنها في الغالب أجمل من كريم الحلي والجواهر، ولكنها تمنع أن يكون للشعر قيمة غالية…ثم أخذ الأستاذ العقاد يوضحها في الآتي….

مفهوم التفكك والوحدة العضوية:

التفكك فهو أن تكون القصيدة مجموعًا مبددًا من أبيات متفرقة لا تؤلف بينها وحدة غير الوزن والقافية، وليست هذه بالوحدة المعنوية الصحيحة؛ إذ كانت القصائد ذات الأوزان والقوافي المتشابهة أكثر من أن تحصى؛ فإذا اعتبرنا التشابه في الأعاريض وأحرف القافية وحدة معنوية، جاز إذن أن ننقل البيت من قصيدة إلى مثلها دون أن يخل ذلك بالمعنى أو الموضوع، وهو ما لا يجوز. ولتوفية البيان نقول: إن القصيدة ينبغي أن تكون عملًا فنيًّا تامًّا، يكمل فيها تصوير خاطر أو خواطر متجانسة، كما يكمل التمثال بأعضائه والصورة بأجزائها واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث إذا اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها؛ فالقصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته، ولا يغني عنه غيره في موضعه إلا كما تغني الأذن عن العين أو القدم عن الكف أو القلب عن المعدة. أو هي كالبيت المقسم، لكل حجرة منه مكانها وفائدتها وهندستها، ولا قوام لفن بغير ذلك، حتى فنون الهمج المتأبدين، فإنك تراهم يلائمون بين ألوان الخرز وأقداره في تنسيق عقودهم وحليهم ولا ينظمونه جزافًا، إلا حيث تنزل بهم عماية الوحشية إلى حضيضها الأدنى، وليس دون ذلك غاية في الجهالة ودمامة الفطرة. ومتى طلبت هذه الوحدة المعنوية في الشعر فلم تجدها؛ فاعلم أنه ألفاظ لا تنطوي على خاطر مطرد أو شعور كامل الحياة، بل هو كأمشاج الجنين المخدج بعضها شبيه ببعض، أو كأجزاء الخلايا الحيوية الدنيئة لا يتميز لها عضو ولا تنقسم فيها وظائف وأجهزة، وكلما استقل الشيء في مرتبة الخلق صعب التمييز بين أجزائه؛ فالجماد كل ذرة منه شبيهة بأخواتها في اللون والتركيب، صالحة لأن تحل في أي مكان من البنية التي هي فيها، فإذا ارتقيت إلى النبات ألفيت للورق شكلًا خلاف شكل الجذوع، وللألياف وظيفة غير وظيفة النوار، وهكذا حتى يبلغ التباين أتمه في أشرف المخلوقات وأحسنها تركيبًا وتقويمًا، وهي سنة تتمشى في أجناس الناس كما تتمشى في أنواع المخلوقات

مفهوم التقليد في المعاني:

أما التقليد فأظهره تكرار المألوف من القوالب اللفظية والمعاني، وأيسره على المقلد الاقتباس المفيد والسرقة، وأعز أبيات هذه المرثاة على المعجبين بها مسروقة مطروقة؛ فهذا البيت:

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثان

مقتضب من بيت المتنبي:

ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته

ما فاته وفضول العيش أشغال

مفهوم الإحالة في المعاني:

أما الإحالة فهي فساد المعنى، وهي ضروب؛ فمنها الاعتساف والشطط، ومنها المبالغة ومخالفة الحقائق، ومنها الخروج بالفكر عن المعقول، أو قلة جدواه وخلو مغزاه، وشواهدها كثيرة في هذه القصيدة خاصة. فمن ذلك قوله:

السكة الكبرى حيال رباهما

منكوسة الأعلام والقضبان

وقضبان السكك الحديد لا تنكس؛ لأنها لا تقام على أرجل، وإنما تطرح على الأرض كما يعلم شوقي، اللهم إلا إذا ظن أنها أعمدة تلغراف! على أنها لو كانت مما يقف أو ينكس لما كان في المعنى طائل؛ إذ ما غناء قول القائل في رثاء العظماء: إن الجدران أو العمد مثلًا نكست رءوسها لأجله؟!

إشكالية الولع بالأعراض دون الجواهر:

ويشبه الإحالة من عيوب المقلدين ولعهم بالأعراض دون الجواهر؛ وهو العيب الرابع الذي اخترنا الكلام عليه من عيوب هذه القصيدة الدالة على أنماط التقليد ومذاهبه، بيد أن الفرق بينهما كالفرق بين الخطأ واللعب والسخف والعبث، ولكل منهما سبب يمت به إلى الآخر، إذا تشابها في الصدور عن طبع أعوج وعقل فارغ. وقد يسهل التفطن إلى الإحالة، ولكن التفطن إلى هذا الضرب من العبث عسير على من لا يدركه بالبداهة، كما يعسر على الأطفال إدراك رزانة الرجال، انظر أيها القارئ إلى هذا البيت:

دقات قلب المرء قائلة له:

إن الحياة دقائق وثوان

فإنه بيت القصيد في رأي عشاق شوقي، فعلى أي معنًى تراه يشتمل؟ معناه أن السنة أو مائة السنة التي قد يعيشها الإنسان مؤلفة من دقائق وثوان، وهذا هو جوهر البيت، فهل إذا قال قائل إن اليوم أربع وعشرون ساعة، والساعة ستون دقيقة؛ يكون في عرف قراء شوقي قد أتى بالحكمة الرائعة؟ ولكنهم يقولون لك: إنه قرن بين دقات القلب ودقات الساعة، وهذه هي البراعة التي تعجبنا، وبها هدانا إلى واجب الضن بالحياة. وهنا يبدو للنظر في قصر المسافة التي يذهبون إليها في إعجابهم، وأن بلاغتهم المزورة لا تتعلق بالحقائق الجوهرية والمعاني النفسية، بل بمشابهات الحس العارضة. وإلا فلو قورن بين الساعة والقلب أيام كان يقاس الوقت بالساعات المائية أو الرملية، فهل يفهم لهذه المقارنة معنًى؟ وهل لدقات القلب الخالدة علاقة حقيقية بدقات الدقائق والثواني، يستنبط منها الإنسان سر الحياة؟

أبهذه العوارض يقدر الأحياء نفاسة حياتهم؟ وهل يتوقف المعنى الذي ينظم في الحياة الإنسانية على علاقة سطحية باختراع طارئ؟! ولقد قلنا في نقدنا لرثاء فريد: «أن الحقائق الخالدة لا تتعلق بلفظ أو لغة؛ لأنها حقائق الإنسانية بأسرها: قديمها وحديثها، عربيها وأعجميها.» ونعيد هذه الكلمة هنا، ونزيد عليها أن الحقائق الخالدة لا تتعلق بفترة محدودة، ولا تقوم على مشابهة زائلة….

وهكذا نجد في كتاب الديوان للعقاد والمازني رؤى نقدية تنظيرية عميقة، وممارسات تطبيقية جريئة، تبشر بمذهب جديد في الأدب والنقد، ولكن ككل عمل بشري أبى الله عز وجل أن يتم كتاب إلا كتابه!

ففي هذا الكتاب جملة مثالب تتمثل في الآتي:

١-التنمر النقدي:

ويتمثل ذلك في تحامل هذين الناقدين الشابين على أعلام المدرسة المحافظة وشيوخها شعرا ونثرا: شوقي، المنفلوطي، الرافعي، ومحاولة تحطيمهم وتشويههم، وسلب أية مزية أو مكانة لهم، وجعل إبداعهم كإبداع الشحاذين والمخبولين!

٢-التذوق الخاطئ:

وترى ذلك في زعم العقاد أن نشيد عبدالرحمن صدقي أجمل من نشيد شوقي، والموازن بين النشيدين يجد بونا شاسعا لصالح شوقي فكريا وإيقاعيا وعاطفيا، وهذه الموازنة تحتاج بحثا خاصا!

كما ترى ذلك في تطبيق العقاد الوحدة العضوية على قصيدة شوقي في رثاء مصطفى كامل؛ فقد رفض كثير ممن قرأوا الكتاب هذه الممارسة التطبيقية، ورأوا فيها تجنيا وافتراء واختلاقا، وقرروا أن الوحدة العضوية أنسب بالشعر القصصي والمسرحي في المقام الأول، وأنه لا يمكن تطبيقها على الشعر الغنائي والوجداني، وأن شعر العقاد نفسه أو المازني أو شكري، لا ينطبق عليه هذا المقياس النقدي الصارم، ومن ثم فقد العقاد في خطيئة مطالبة او محاكمة شعر شوقي بمقياس لا يخصه ولا يوجد فيه، ولا يضير شعر شوقي أو غيره من الغنائيين أن يفتقد الوحدة العصوية، فما دام متماسكا، وما دام ذا وحدة موضوعية فهذا كافيه…

٣-هدم قطب من أقطاب المدرسة الناشئة:

كيف لكتاب يؤسس لمذهب جديد يتضمن نقدا بل نقضا لأحد أقطاب هذا المذهب، وهو الشاعر الكبير عبدالرحمن شكري، الذي ناله تنمر نقدي في مقالين للمازني بعنوان(صنم الألاعيب)…

٤- العنف في لغة النقد الأدبي:

كما يلحظ كل قارئ للكتاب عنفا وحدة في لغة النقد الأدبي، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

-وصف العقاد شوقيا في المقالة الثالثة، بأنه: “من لا يفكر إلا سهوًا، ولا يشعر إلا لهوًا، ولا يمارس أسرار الحياة وقضاياها الغامضة إلا عفوًا؛ لحريٌّ أن يجهل الفرق بين التفكير والإحساس، كما جهل الفرق بين مقام السخرية ومقام التعزية”.

-وقول المازني في مقالته (صنم الألاعيب١) واصفا شكريا بالصنم، وأشعاره بالألاعيب:

“شكري صنم ولا كالأصنام، ألقت به يد القدر العابثة في ركن خرب على ساحل اليم؛ صنم تتمثل فيه سخرية الله المُرة وتهكم «أرستفانيز السماء» مبدع الكائنات المضحكة ورازقها القدرة على جعل مصابها فكاهة الناس وسلوانهم. ولم لا يخلق الله المضحكات وقد آتى النفوس الإحساس بها وأشعرها الحاجة إليها، ولم يلتزم في الإنسان ما لا يتوخى في سواه من وزن واحد وقافية مطردة؟ هنالك إذن على ساحل البحر شاءت الفكاهة الإلهية أن ترمي بهذا الصنم…”.

-وفي مقالة (أدب الضعف) يقول عن المنفلوطي ساخرا مستهزئا:

“وقد لقينا من التشجيع ما يغرينا بالاسترسال، ووجدنا من الإقبال ما قوى الآمال في صلاح الحال، وهاكم صنمًا آخر من معبودات الضئال نهدمه ونلقي به بين الأطلال وبعد، فماذا في كتابات المنفلوطي مما يستحق أن يعد من أجله كاتبًا وأدبيًا، إلا إذا كان الأدب كله عبثًا في عبث لا طائل تحته؟ سمعت بعض السخفاء من شيوخنا المائقين يقول: «إن في أسلوبه حلاوة.» ولو أنه قال «نعومة» لكان أقرب إلى الصواب، ولو قال «أنوثة» لأصاب المحز”!

-وفي مقالة (الحلاوة والنعومة والأنوثة) يقول:

“ولست بواجد شيئًا من هذه الحلاوة في كلام المنفلوطي، سواء في ذلك شعره ونثره؛ لأنه متكلف متعمل يتصنع العاطفة كما يتصنع العبارة عنها…”

-وفي مقالة(ما هذا يا أبا عمرو؟)، وفي ختام الكتاب يقول الأستاذ العقاد:

“إيه يا خفافيش الأدب. أغثيتم نفوسنا أغثى الله نفوسكم الضئيلة، لا هوادة بعد اليوم. السوط في اليد وجلودكم لمثل هذا السوط خلقت، وسنفرغ لكم أيها الثقلان، فأكثروا من مساوئكم، فإنكم بهذه المساوئ تعملون للأدب والحقيقة أضعاف ما عملت لها حسناتكم، إن كانت لكم حسنة يحسها الأدب والحقيقة”….

وقد أحس العقاد بمخاطر ذلك العنف اللغوي الانتقاصي، فقال في مقالته(شوقي في الميزان ٢)، وهو يرد على منتقديهما: أما ثاني الاعتقادين فهو أننا أغلظنا العصا لشوقي وشددنا عليه النكير. ولهؤلاء نقول: إننا لا نهدم خطأ مؤسسًا على البرهان فننقضه بالبرهان وحده، ولكننا نهدم الوهم المطبق والدسائس المتراكبة، وما أحوج البرهان في هذه إلى الشدة، وما أقل ما يغني فيه اللين والهوادة!”. وهذا التبرير في رأيي غير مقنع منطقيا أو نقديا، فليست الشدة حلا وليست محمدة، بل إن الرقة والهدوء والأدب مصدر كل خير، وأساس كل علاج!

وفي قادم الوقفات مع هذا الكتاب الفذ والفاتح، أحاول أن أزيده تضويئا وتنويرا، بغية الإفادة الآنية والمستقبلية منه، إن شاء الله تعالى.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: