الأستاذ الدكتور سيد محمد السيد يكتب : زقاق المدق ظاهرة اقتصادية

زقاق المدق ظاهرة اقتصادية

دكتور سيد محمد السيد

 

هل الإبداع نشاط اقتصادي؟

كنا نجمع قروشًا من مصروفنا الطفولي لشراء لغز الحقيبة السوداء لمحمود سالم، أو جريمة في قطار الشرق لأجاثا كريستي، ونتردد على باعة الكتب المستعملة من الكيت كات إلى الأزبكية حتى اكتشفنا مكتبة الخواجة بالدقي، كان أقصى سعر للكتاب عشرة قروش، يشترك فيها عصام وهشام وسيد وحين نعيد النسخة ندفع قرشًا أو قرشين ونأخذ غيرها، ويمر الكتاب علينا معًا وربما أعرناه من الباطن لأصدقائنا في أحمد عرابي الابتدائية ثم إمبابة الإعدادية الحديثة، ونقضي وقتًا في المكتبة العامة بشارع العلمين بالكيت كات؛ لنجلس إلى أعمال الحكيم ونجيب وإحسان أو نقرأ ديوان رامي أو كامل الشناوي أوإبراهيم ناجي، أمّا زيارة معرض الكتاب بالجزيرة قبل بناء الأوبرا الجديدة فكانت تحتاج إلى جمعية أو دعم عائلي لشراء يوميّات العقّاد أو حديث الأربعاء لطه حسين أو مجموعة كتابك التي تضع فيها دار المعارف عشرين عددًا بجنيه بعد الخصم، لا تقل لي يا صديقي إن الأدب ليس نشاطًا اقتصاديًا، فكم سعدت حين حصلت قصة لك على شهادة استثمار في مسابقة جامعية، حقًا طرت فرحًا لمّا قال لك د.عوني عبد الرءوف “قصتك أعجبتني.” لكنك استمتعت بخمسة عشر جنيهًا وعزمت أصحابك على فيلم “حدوتة مصرية” بسينما مترو.

وما نراه الآن من رعاية الإعلانات للدراما علامة على العلاقة الوثيقة بين الجمالي والتجاري، إن احتياج البشرية للأدب حقيقة حيوية، نحن نريد عالمًا متضامًا نطالع فيه ما لا نعرف، المحتمل والافتراضي وما حدث في أزمنة مندثرة وموازية وأماكن بعيدة وقريبة لم تصل إليها الحواس لترسمها أمام الأذهان، إن الوعي يسعى إلى معرفة تمنحه التصوّرات والنماذج والمواقف التي تساعده على بناء منظومة دفاعية تدعّم اختياراته في تفاعله الحيوي مع عالم غامض، والأدب أطلس يمحو عتمة الغموض أو ضباب التوهم، إن نماذجنا المعرفية لها مرجعية في الأدب فلا يظن أحد أن الخيال يعمل بمعزل عن الذهن والتجربة حتى لاعب الكرة يحتاج شيئًا من التخيّل يمارسه في التدريب استعدادًا لإتقانه في المباراة، كل موقف حيوي عملي يتطلب تخيّلًا مسبقًا حتى الموقف العلمي فالباحث الذي يعد رسالة لابد أن يمارس لعبة الخيال قبل أن يحدد موضوعه وفرضيته ويحلل مادته ويصوغ أوراقه بمنهجية وموضوعية، وطوال مراحل العمل فإن الخيال يقوم بدور المرسل أو المساعد السحري لحل مشاكل علمية سواء أكانت عمليّات التخيّل بسيطة أم مركبة.

تساعد الدراما على صياغة تصوّرات لأنماط الحياة وأساليبها بما يمكن أن تكون دافعة لأشكال استهلاك بعينها، إن موقف درامي لشاب وفتاة في فترة الخطبة تعلن عن الأزياء والطعام ونوعية الموسيقى، هذا الموقف يشارك في تكوين السلوك الاجتماعي المؤثر في النشاط الاقتصادي بما يعبّر عن تجلّيات الذات العاطفية، ومن الممكن أن يكون الليمون المثلج كافيًا في ذاك الموقف أو يتحوّل السياق إلى تغذية أشكال الاستهلاك بوليمة مكلّفة، فالإبداع يشارك في تشكيل الأنماط الاقتصادية.

إبداع نجيب محفوظ مادة لدراسة العلاقة بين الأدب والاقتصاد، إن عناوين الروايات تطلق على المنتديات الاجتماعية (قصر الشوق/ السكرية/ ميرامار/ الكرنك) وتشارك عناوين محفوظ في ذلك دراما ليالي الحلمية لأسامة أنور عكاشة، ومرجعية الأماكن عند محفوظ من المعالم التي يحرص على رؤيتها زوار القاهرة، هذا وجود مباشر لإبداع محفوظ في مجال الاقتصاد الذي يمكن أن نطلق عليه الاقتصاد الجمالي.

سنعالج رواية واحدة لنجيب محفوظ لتوضيح العلاقة الوثيقة بين المنجز الجمالي والنشاط الاقتصادي في سوق إنتاج بلا حدود، إنها زقاق المدق التي صدرت عام 1947 لكن وجودها في دائرة الاستهلاك مستمر فمازالت تلهم الفكر الإبداعي الذي يتبلور في أعمال جماهيرية لها عائدها المادي، إن الفيلم الذي حمل عنوان الرواية وعرضته دور السينما بالقاهرة عام 1963 بإخراج حسن الإمام وسيناريو سعد الدين وهبة هو العمل الأكثر حضورًا في الذاكرة الدرامية المصرية، وقامت شادية بتمثيل شخصية حميدة التي أصبحت الواجهة الدرامية للرواية كما لاحظ نجيب محفوظ الذي قال في حوار نشره عبده بدوي بمجلة الرسالة عدد 7 مايو 1964 “قرأت سيناريو سعد الدين وهبة لفيلم زقاق المدق وقد أعجبت به ورضيت عنه، ولكن حين سألت عن السيناريو الذي قرأته والذي لم أجده في عملية التنفيذ، قيل لي: “إنه لو نفذ بالصورة التي رأيتها عليه لاستغرق ثلاث ساعات.” ومن هنا كانت عملية تحويله من سيناريو زقاق المدق إلى سيناريو حميدة.” وإذا كانت المعالجة السينمائية قراءة للرواية على نحو جمالي تجاري؛ فإن حميدة – بقراءة الآخر – فرضت نفسها على الترجمة البولندية للرواية، والترجمة استقبال للعمل في ثقافة مغايرة ومن منظور له استراتيجية فكرية متصلة بسياقه الثقافي وتدخل عمليات التسويق في أهداف إنتاجه.

لم يكن التلفاز متاحًا في جميع بيوت مصر بعد استقبال إرساله لأول مرة عام 1960 فلم ينتشر إلا مع ثقافة الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيّات، وأتذكّر أنني شاهدت فيلم زقاق المدق في سينما كيت كات الصيفي بثلاثة قروش مع فيلمين آخرين، وحينما قرأت الرواية بعد ذلك لم أستطع تقبّلها وأقتنع بموت عباس الحلو المعذب بالحب وبقاء حميدة بكل ما فعلته به وبنا وبنفسها، إن التلقي الساذج الأول كان تأثيره فينا عميقًا، أمّا فيلم بداية ونهاية – الذي صدمني كثيرًا بخاصة الأغنية الكورالية المؤلمة التي تزف نفيسة للموت في النيل عند كوبري إمبابة الذي أعرفه جيدًا في الواقع- فقد شاهدته في كشك بحديقة الزمالك قريبًا من مسرح البالون وميدان سفنكس، كان الكشك يعمل من الخامسة بعد العصر إلى نهاية الإرسال قبيل منتصف الليل، ويذهب كثير من سكان الكيت كات وإمبابة وميت عقبة لمشاهدة السهرة بخاصة في الصيف، هذا السلوك المتصل بأيام الاشتراكية غرس فينا شعورًا جمعيًا بحب الفن والجدل بشأنه، وانتقلنا من أفلام محفوظ إلى رواياته وليس العكس، إن الاقتصاد كان عنصرًا مهمًا في استقبالنا لأعمال محفوظ وفهمها على نحو ما.

انتشر التلفاز مع الانفتاح ودخول الألوان ولم يكن ذاك الأمر يمر على صناع الدراما دون أن يعدوا لحميدة مساحة ملونة فتحوّلت زقاق المدق إلى مسلسل بعنوان الدنيا الجديدة عام 1980 بسيناريو عاصم توفيق الذي كتب سيناريو فيلم النداهة ليوسف إدريس عام 1975 وأخرج الدنيا الجديدة نور الدمرداش وأدت صفية العمري دور حميدة، ثم مثلت معالي زايد شخصية حميدة في معالجة مسرحية لزقاق المدق عام 1985 كتبها بهجت قمر وأخرجها حسن عبد السلام، وعادت حميدة للظهور من جديد بأداء دنيا عبد العزيز عام 2021 في مسرحة لهذه الرواية بقلم الشاعر محمد الصوّاف والمخرج عادل عبده، وكل عمل يضم عددًا كبيرًا من الممثلين والفنيين والعمّال ويتصل بمنظومة إنتاج لها استراتيجية ثقافية يؤدي الاقتصاد فيها دورًا محوريًا، ومازالت زقاق المدق تجد لها مساحة استقبال جيدة في الوسائط الرقمية فيذكر موقع القراءة “جودريدز” أن رواية زقاق المدق لها ثلاث وعشرون ومائة طبعة (123) بلغات متعددة، وأن عدد القراء الذين منحوها تقديرًا بلغ ستين واثني عشرألفا (12060) أمّا عدد مراجعاتها فوصل إلى أربع وثلاثين وثلاثمائة وألف مراجعة (1334) متعددة اللغات، ومن الترجمات الكثيرة لزقاق المدق نجد ترجمة إنجليزية قام بها تريفور لوجاسيك ، وترجمة إيطالية لباولو برانكا، وترجمة أسبانية لهلينا بالينتي جاء عنوانها بمعنى زقاق المعجزات وهو يذكرني بعنوان مدينة المعجزات الذي اختاره محمد أبو العطا لرواية إدواردو مندوثا حين ترجمها إلى العربية وكان الأقرب إلى الأصل مدينة الأعاجيب، فكأن عنوان رواية زقاق المدق التي ترجمتها هيلينا بالينتي كان له أثره في إدراك المترجم العربي حين نقل رواية مندوثا إلى العربية، ونقلت ليلى تونجتش بصمجي رواية زقاق المدق إلى التركية، وتشمل القائمة كثيرًا من الترجمات، وبعض الترجمات كانت من لغات وسيطة ولم تكن من العربية مباشرة، وبعضها كانت له رؤية مختلفة للعنوان مثل زقاق المعجزات في الأسبانية، و”زقاق الهاون” في الإيطالية وهو اختيار حيوي وظريف من باولو برانكا الذي نظر إلى كلمة “المدق” بوصفها دقات الزمن التي تضرب الشخصيات، ولم أتصوّر هذا العنوان حين قرأت الرواية فما يتبادر إلى ذهني كان انطباع حركة السيارة في الزقاق القديم. إن نجيب محفوظ مشغول بقصة الحضارة التي تنجز نفسها في الزمان والمكان، وبالإضافة إلى الترجمات فقد شاهد العالم زقاق المدق عام 1995 بمعالجة مكسيكية للمخرج خورخي فونز والسيناريست بيثنتي لينيرو، وقامت سلمى حايك بدور ألما المعادلة لحميدة في الأصل.

كل معالجة لرواية زقاق المدق لا تدل على رؤية فكرية وخبرة جمالية وقضايا ثقافية فقط، إنما هي نشاط اقتصادي مرتبط بالتفاعل الحيوي اليومي، في الوقت نفسه يضيف إلى أصحابه مرجعية ويرفع أرصدتهم في مجالاتهم، فالممثل الذي سيؤدي دورًا في مسلسل أو مسرحية عن زقاق المدق سيرتفع تقديره في محيطه وسيصبح محط الأنظار في مسار الإنتاج الدرامي، وسيكتسب خبرات تنمّي مهاراته الأدائية وهو ما سيحدث مع المهنيين الآخرين في مجالاتهم التقنية التي تشكل صورهم في الوسط الفني وتحدد دائرة أجورهم في سوق العمل.

إن ربط الاقتصاد الأدبي بالدراما أو المسابقات أو عدد الطبعات والترجمات يوضح القيمة التجارية للإبداع وفي الوقت نفسه يعد مؤشرًا لاستقبال الأعمال الأدبية في النشاط الحضاري، والأهم من ذلك أن المشاركة التي يؤديها الأدب تتجاوز العائد الاقتصادي إلى تنمية الحياة وإثراء ثقافة التنوّع والحوار وبناء منظومة العقلانية وتفعيل ملكة التعبير، هذا الرصيد الذي يحققه الأدب يبدأ من المؤسسة التعليمية التي يمكن أن تكون بنك الاستثمار الثقافي الاقتصادي. لنا أن نتصوّر عدد الطلاب الذين يمكن أن يطالعوا الأعمال الأدبية في مكتبات المدارس والجامعات بالإضافة إلى النشاط الثقافي بالمكتبات العامة والثقافة الجماهيرية ومراكز الشباب، ومازالت أبحاث الطلاب – وستظل – تتجه إلى أدب محفوظ، وإذا عرضت على باحث في الأدب المقارن موضوعًا سيطلب منك أن يكون التطبيق على رواية لمحفوظ سواء أكان الباحث عربيًا أم أجنبيًا، وكثير من الأبحاث الأكاديمية في النقد والترجمة واللغويات والدراسات الثقافية والبينيات التي يتفاعل فيها الأدب مع العلوم الإنسانية تتخذ من أدب محفوظ مادة للعمل مهما كانت الاستراتيجية البحثية صادرة عن نظرية أدبية متصلة بالحداثة وما بعدها ومكرّسة لمنهجية إجرائية تبحث عن الجديد، فنجيب محفوظ ثروة ثقافية واقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: