الأستاذ الدكتور رجب إبراهيم أحمد يكتب: بلاغة الجمهور والخطاب السياسي

بلاغة الجمهور والخطاب السياسي

بقلم: الأستاذ الدكتور رجب إبراهيم أحمد

الأستاذ بجامعة السلطان عبد الحليم معظم شاه

 

والناظر إلى التاريخ بعين متفحصة لأحداثه،يكتشف أن العلاقة بين البلاغة والسياسة ليست منفكة،بل متشابكة ومعقدة فمنذ الأزل والبلاغة لها دور في تزييف الواقع السياسي،وإلباسه ثوبا غير ثوبه الحقيقي الذي تلاشى أمام سطوة البلاغة وقوتها.والخطابة السياسية مجال يُعنى به السياسيون للحديث فيما يخص أمور الحكم وما يتعلق به،فهي حديث بين النخب السياسية والجمهور،غرضه حشد الناس وجمعهم للتأثير عليهم،وتشكيل وعيهم فقد”ظلت الأداة المثلى للتأثير في الجماهير وحشدهم في أوقات السلم والحرب على مدار آلاف السنين”( ).وحين تغيب هذه الخطب،فإن المتحكم حينها يكون السيف،إذ هو –غالبا-ما يحل محل الكلمة في البلاد التي لا تعرف لغة اللسان،وتجيد بدلا منها لغة السِّنان.والخطابة أحد أهم أشكال لغة السياسة،وأقواها تأثيرا،لذا؛فالحاجة ملحة إلى ربط البحث البلاغي بالفضاء اليومي للناس،بهدف تضييق الفجوة بين علم البلاغة والحياة،وبالأخص منها”الخطاب السياسي” فتحليل هذا الخطاب عن طريق رؤية أعمق لظواهره يؤدي إلى إزاحة الستار عن كثير من غوامضه،الأمر الذي يمكن معه الحد من أثر هذا الخطاب بعد ممارسة التلاعب والتضليل الذي يكون هدفها تشكيل الوعي الجماهيري تشكيلا خاطئا.فهذا بعد اجتماعي خطير،تحاول دراسة الخطاب السياسي القيام به في الوقوف ضد كل ما من شأنه تزييف الوعي الجماهيري،وتلك غاية نبيلة في مسعاها ومبتغاها إذ تبغي نشر قيم العدل والمساواة،والتمكين لهما.

وتأتي بلاغة الجمهور مرتبطة بالخطاب السياسي،وهو ارتباط له أسبابه،ويأتي على رأس هذه الأسباب هيمنة الخطاب السياسي وسطوته وبطشه على استجابة الجمهور المشكِّلة لوعيه،وعادة ما تتزر هذه الهيمنة للخطاب السياسي بإزار السفسطة مطرزة بألوان البلاغة العربية لتلعب دورا “مشبوها”في عملية الإقناع والتأثير.

وفي مؤلفات عماد عبد اللطيف في هذا المجال نماذج لتحليل الخطاب السياسي أهمها خطاب الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات،خيث قدم تحليلا لخطاباته السياسية ورصد آليات التأثير فيها،واستعرض خطاب السادات الشهير المعروف بخطاب المبادرة،ووصفه بأنه خطاب درامي بامتياز،حيث ألقى السادات الخطاب في افتتاح الدورة الثانية لمجلس الشعبظ،وهي عادة تكون مناسبة عادية روتينية،استعرض فيها السادات علاقات مصر الداخلية والخارجية،وهذا الخطاب قد أعد له سلفا،وهذا هو الطبيعي في مثل هذه المناسبات،وقد أداه السادات كما هي من واقع أوراقها المكتوبة أمامه دونما تدخل منه في زيادة أو نقصان،لكن وفي الربع الأخير من الخطاب انقلبت الأمور وتغير الأداء”وذلك إثر قول عبارة قصيرة مكونة من (55) كلمة أعلن فيها السادات استعداده لزيارة إسرائيل،غيَّرت هوية الخطاب،فأصبح يشتهر باسم خطاب المبادرة،وليس خطاب افتتاح دورة مجلس الشعب”( ) ويحلل عماد عبد اللطيف ذلك بأن السادات حاول بذكاء شديد إيهام الجمهور أن الفعل الدرامي الذي اتسم به الخطاب هو فعل غير مخطط له،وأنه لجأ إلى استراتيجية الإيهام بالعفوية لتحقيق ذلك،تماما كما يفعل البطل المسرحي أثناء عرض العملالمسرحي،فهناك لحظة تجول في حياة بطل المسرح التراجيدي،التي تنقلب فيها حياته رأسا على عقب بسبب فعل أو قول”( )

وفي كتابه:”الخطابة السياسية في العصر الحديث” يقدم عماد عبد اللطيف شرحا لدراسة ظاهرة تأليف الخب الرئاسية في العالم العربي.ةيستكشف أشكال الجدل والصراع التي تنشأ بين الرؤساء وكتَّاب خطبهمحين تختلف تصوراتهم للحدث السيايي ويعطي أمثلة من الحالة المصرية على مدار 60 عاما،مستعينا بمذكرات شخصية ووثائق تاريخية تسجل عملية كتابة الخطب الرئاسية.كما يركز الكتاب على كتابة محمد حسنين هيكلللرئيسين عبد الناصر والسادات،وتجربة أحمد بهاء الدين وموسى صبري في الكتابة للسادات،وتجربة أسسامة الباز في الكتابة لمبارك.ويبرهن الكتاب على أن دور كتاب الخطب السياسية لا يتوقف عند صياغة البلاغة السياسية للأنظمة الحاكمة في العالم العربي،بل يتجاوزه إلى صياغة الواقع السياسي نفسه.كما يستعرض الكتاب ظاهرة حديثة في التواصل الجماهيري السياسي وهي تعليقات الجمهور على الخطب السياسية ،ويحلل على نحو تفصيلي مدونة كبيرة من تعليقات الجمهور على بث الكتروني لخطبة  الرئيس الأمريكي السايق”باراك أوباما” للعالم الإسلامي التي ألقاها في جامعة القاهرة عام 2009م.كما يحلل عمليات النقد والفنيد أو التأييد التي يحاول بها المعلقون تقليل أو تدعيم أثر الخطبة في من يشاهدونها على الإنترنت وكذلك أشكال التفاعل الخطابي بين المعلقين أنفسهم.( )

وفي مقاله المنشور بصحيفة القدس العربي بعنوان”حين تقارع البلاغة السياسة” يقدم الكاتب عبد الفضيل أدراوي قراءة لكتاب”استراتيجيات الإقناع والتأثير للخطاب السياسي” للدكتور عماد عبد اللطيف محاولا أن يكشف عن الحيل التي يتبعها الساسة للتأثير في الجمهور،وجاء في هذه القرءاة:” يقترح الباحث عماد عبد اللطيف ممارسة تحليلية للخطاب السياسي قوامه الكشف عن كثير من الحيل البلاغية التي يعتمدها رجال السياسة والقانون، والقائمون على شؤون المجتمع، لتثبيت أركان عروشهم، كآليات التحايل والتلطيف، والتعبير غير المباشر، والكناية والتمثيل والتورية، وغيرها من الأساليب التي تصل حد توسل الحاكم ببعض الكتاب المناسبين لتأدية المهمة. فخلال القرن العشرين تحول السياسيون إلى الاستعانة بآخرين، يرون أنهم أمهر منهم، يمكن الاعتماد عليهم في تحقيق التأثير بشكل أكثر فعالية من الاعتماد على النفس أو الذات.’فتزايد اعتماد السياسيين على على مجموعات من المتخصصين لكتابة خطبهم السياسية وتدريبهم على أفضل أداء لها’ وأحيانا اعتماد الارتجال والمفاجأة أو ما يعرف بظاهرة”الصدمة الكهربائية”.( )

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: