الأستاذ الدكتور أحمد فرحات يكتب : صورة المرأة في الشعرالسعودي – (1)

صورة المرأة في الشعرالسعودي – (1)

الأستاذ الدكتور أحمد فرحات

 

رسم الشاعرُ السعودي عبد السلام هاشم حافظ صورةً سوداوية للمرأة في شعره؛ فكل حواء لديه قيد نحس، إلا أمه، فهي وحدها أكمل امرأة، على حد تعبيره، فالمرأة مخلوق دنس يعكر صفو أفق العالم الشعري لديه.

عالمي أفقٌ طليقٌ بل خيالٌ  لم تُدَنِّسْهُ الدُّنَــا حتّى خطرتِ

ومن ثم فهي لا تستحق البقاء في روضة الشعر الغناء، ولا بد من طردها من هذه الجنة؛ لأنها ابتعدت عن جلال الحب وروعته:

فاغربي لن تستحقين الظِّلالَ      في رياضِ الفنِّ والأشواكُ كُنتِ

ويوضح الشاعر سبب سخطه على المرأة، ولمَ هذه الصورة السوداوية ؟ إنها حواء التي تعبث بالرجال، وقد عرف الشاعر فيها خيانة لا تنمحي أبدا؛ ولذا صبَّ عليها غضبه فقال :

وعرفتُ فيكِ خيانةً لا تنمحي   ويدُ الرجيمِ تثيرُ فيكِ غرائزكْ

تهوينَ للهـبِ المبيـدِ فــراشةً       عمياءَ في دنيا تضـمُّ مباذلكْ

وهي صورة تذكرنا بخيانة المرأة عند محمود حسن إسماعيل:

فقد كنت  روضا يانعا كل زهرة

لديه أرى في عطرها رأس حيةِ

وأسمع لفحَ الشك تحت ظلاله

كما يُسمعُ اللحنُ الرخيمُ بضجةِ

ويدلنا شعره على أن حواء هي سبب الخطيئة الكبرى التي أنزلت آدم من جنته إلى الأرض، ولذا نراه يعبر عن الماضي القديم حيث كانت حواء تنعم بالخلود حتى أغواها الشيطان، وأنزلها من مكانها العالي إلى دنيا أضاعت ساكنيها، ومن خلال الشواهد السابقة، وغيرها، طالما عبر الشاعر عن حواء بأنها شيطان يضل الناس ويغويهم، وكثيرا ما كان يلجأ إلي ذلك حينما يتعرض لغدرهن، وخيانتهن.

حواءُ يا شبحَ الخطيئةِ أنتِ في المستقبلِ

دُنْيَــا أضاعتْ ساكنيها بالرعيلِ الأولِ

أَغْفَوْا ضُحَىً، فَتَبددتْ أزهارُها فَوْقَ الوحَلْ

لم تـــبقَ إلا أوجهٌ مُسِخَتْ وإثمٌ ينفعِلْ

وإذا كان الشاعر وصف صورة المحبوبة، فإنه وصف صورة المحب، ولا نغالي إذا قلنا إن الشاعر قد ركز على صورة المحب أكثر من تركيزه على صورة المحبوبة. وفرّق الشاعر بين الـ (أنا) والـ (الآخر) في الحب. فعلى حين تأتي المحبوبة ( الآخر ) في صورة الفتاة المدللة التي تصد محبوبها، ولا تُنيله شيئا من وصل اللقاء، يأتي المحب لهفاً إليها، توّاقا إلى لقائها، وهي تصد وتنأى. فيتساءل الشاعر) :

إلامَ الصدّ ُ والدنيا ارتحال تُرى      يا فطــمُ هـــلْ قُرْبي مُحال

وأنتِ الطبُّ من وجدي وهمي       وجسمي قدْ تَوَّلاهُ الهزال !!

وتختلف صورة المحب عند شاعرنا عن غيرها عند الشعراء الآخرين، فعلى حين تأتي صورة المحب عند شاعر كناجي – مثلا – أنه متسامحٌ في حبه رغم ما تأتي به محبوبته من مظاهر القسوة والعنف مع المحب، وكلما أوغل النصل في صدر المحب عند ناجي ازداد غفرانا وصفحا.

وإذا القلبُ على غُفْرَانِه    كُلَّمَا غَارَ بهِ النَّصْلُ عَفَا

أما عند شاعرنا فيختلف الأمر تماما فهو عنده أنفة وكبرياء في حبه، وأن محبوبته سوف تندم إذا لم تبادله الحب مِثْلاً بِمِثْل.

وَلَئـــــنْ نسيتِ تولّهي ورجائيا  وأبيــتِ إعزازَ الهوى وندائيا

وأردتِ بَعْدِي هائماً أو صاحباً    وكفـرتِ بالإخلاصِ في آماليا

لا بُــدَّ يَـأْتِيـكِ يـــوْمٌ نــَادِمٌ   فتلّوعينَ لفُرْقَتِي وبعاديا !!

ولا غرو أن نجد كبرياء الشاعر جلياً، فتجربة الحب لديه ” تجربة كبرى من شأنها أن تعلو بصاحبها، وتجعله يحس بالكبرياء، وكأنه أصبح من طينة غير طينة البشر، والسبب في ذلك أن الحب تجربة طموحة بطبيعتها، وهي تصفي منابع الإحساس، وتحيل العناصر المادية إلى عناصر روحية، وحين يتخلص المحب من أوضار المادة، ويعلو عليها، يحس بالتميز عن بقية البشر ممن لم تصهرهم نيران الحب) ( “، ويتجلى الكبرياء، وتعلو نبرة الـ (أنا) عند المحب في أعلى صورها عندما تُبدي المحبوبة دلالاً وصداً وهجرانا، فينبري الشاعر مدافعا عن أصله العريق ونسبه الشريف في غلو وكبرياء واضحين، فيقول) :

أنا يا مُنَايَ نَسِيبُ أَشْرَافٍ لهمْ     في صَفْحَةِ الأزْمَانِ تاريخُ الهِمَمْ

أنا شاعرُ الأحلامِ والألمِ الذي       ألقَاهُ في حُبِّي فأشْقَى بالسَّقَمْ

ويرتكز الشاعر على مفردات الفخر الشخصي؛ فقد كرر ضمير المتكلم (أنا) مرتين في البيتين في موقع المبتدأ، وخبره يمثل إضافة إلى الفخر؛ لأنه (نسيب السادة الأشراف) مرة، وأخرى (شاعر الأحلام والألم).

ومن صور المرأة في شعر عبد السلام هاشم حافظ، المرأة الضعيفة، المغلوب على أمرها، التي تنقاد إلى زوجها رغماً عنها، وكأنها تنقاد إلى سجن سرمدي، رغبة في طاعة أبيها الذي يلزمها باسم التقاليد والعادات أن تتزوج من يرضى عنه هو لا من ترضى عنه هي، مخالفاً بذلك سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وضاربا بالتقاليد الإسلامية السمحة عرض الحائط، فحزَّ ذلك في نفس الشاعر وصور هذه الفتاة تصويرا فنيا رائعاً، كما صور أباها أيضا وقد صبّ عليه جامه وغضبه كله، فقال في ذلك مستغلا قصة قرأها عن العاشقة (إيزابيل) التي عاشت خمسة شهور مع زوجها ابن العشرين الذي هربت معه بعد أن اقسم أبوها المليونير أن يحطم قلبها ويحرمها من ميراثه، ولكنها لم تعش إلا بعمر الزهرة وودعت الدنيا بعد أن وضعت طفلة في الشهر الرابع، في نفس اليوم الذي كان منتظرا أن يقف الأب المستبد أمام المحكمة للنظر في قضية الطلاق المرفوعة عليه من زوجه بسبب ابنتهما البريئة. وقد وافقت هذه القصة ما يعانيه الشاعر من استبداد بعض الآباء ببناتهن، ورميهن في أحضان الموت رغبة عنهن فقال:

أيُّها الإنسانُ ما أعتاكَ.. حسْبُكْ!   أيُّها الوحشُ المعنَّى أينَ رُشْدُكْ؟

يا ظلوماً أثبتَ الوجدانُ عجزَكْ     والأحاسيسُ التي شاهتْ بِصَدْرِكْ

قد سحقتَ الحُبَّ طُهْراً بينَ جَهْلِكْ

عالَمٌ بالظلمِ ترجو فيه أن يحلو البقاء

…. بعد أن ولَّى سناه

كما صورها في سجنها الذي وأدها فيه أبوها، وهي وحيدة، تشكو الضنى، وتشرب كأس الشقاء، تنادي حبيبها أن يجيء، ويد القدر قد غالت فؤادها:

وحيدةٌ في الهَمِّ أَشْكُو الضَّنى  لِلَيْلِي وَأَشْرَبُ كَأْسَ الشَّقاءْ

وحولي وجودُ الحياةِ الكَئيب  وَدُنْيَــــايَ تِيْهٌ طَوِيْلُ العَنَاءْ

سَأَبْقَى وَحِيْدَةَ سِجْني وَيَأْسِي  وإِنْ زَوَّجـُونِي بـذاكَ الوَبَاء

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: