الأديبة سنية الغربالي تكتب : الحذاء المفقود

بقلم الأديبة سنية الغربالي – تونس  

كانت القصص التي يرويها جدّي قصصا ممتعة شيّقة يسوقها في مقام ما و بعد الانتهاء من القصّ يقول”ّ” مفسّرا الأسباب التي جعلته يستحضر تلك القصص “محلّ شاهدنا” و الحقيقة أنّ الشاهد ليس سوى حجّة للبرهنة و الإقناع بمضمون القصّة الإطار.
ونحن صغار لا نفهم لا معنى” المحلّ” و لا معنى “الشاهد” فقد كنّا نستعدّ استعدادا تامّا لمتابعة الأحداث فنركّز التركيز كلّه خاصّة أنّ جدّي يتميّز بمنهج مميّز في القص و التشويق.
قال الرّاوي : ظلّ صابر ساهما يفكّر فتارة يبتسم و طورا يقطّب جبينه إنّه يخطّط لأمر ما ثمّة شيء ما في أغواره الدّفينة، صورة نموذجية منغرسة في قاع ذاته جعلته يقف في غير استقامة فيشعر بخلوّ الحياة من المعنى و لكن سرعان ما يستدرك ليعود إلى عالم يستمتع فيه بالوجع، يعود ليكتشف أنّ الحياة لا تعرف الفراغ، تتعالق كلّ تلك الأفكار الموجبة لتشكّل كائنا مختلفا عنك متفرّدا بأمله، كائنا ينبض بالحياة فتتوارى تلك النظرة القاتلة التي كادت تهوي بك و ينكسر الحصار الخانق فتدرك أنّ كل ما في الوجود حافز لتكون.
راح صابر يسترجع ذكريات منها ما حصل له حينما تاه في براري الفناء المرعبة فداس على شظايا زجاج متناثرة لم يشعر بوخزها إلى أن أدمت قدماه و تيبّست الجروح فيها و قاحت و بُرِئت دون وعي منه
شعُر بألم حادّ بيد أنّه لم يكن أشدّ من آلام جروح الآدميّ : الجرح شرخ في الذاكرة دواؤه الصمت و الصمت و الصمت… فالصمت تأمّل ، راحة ،هدوء، الصمت إعادة بناء .
يمشي صابرا على تلك الأرض التي أصرّت على إيلامه وهو في حيرة من أمره: أين حذائي؟ كيف لي تخطّي كلّ هذا الزّجاج و الحديد الصّدِىء و الحجارة الجارحة دون حذاء ؟ يرفع رأسه ليُجيل النّظر فيرى حجرة ملساء يفرح أيما فرح
وما إن يضع قدميه حتى ينزلق ليسقط ، و السقوط تأمّل و تدبّر ، السقوط كما الصمت ألم تُعقبه راحة، السقوط عنيف، السّقوط مدمّر لأنّ الجراح تطال أطرافا مختلفة من الجسم لكنْ في السقوط يشتدّ عودك و تجفّ الجراح النّازفة و بالسقوط تستحيل الجراح خدوشا. و لكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهنه بين الألم و الألم: أين حذائي؟ أين نسيته ؟ أتذكر جيّدا أنّني خضت المغامرة و لي حذاء ، فهل تمزّق أم سُرق؟
ابتسم صابر ابتسامة موجوع لا يقوى على شيء و ليس له من همّ سوى بلوغ بصيص النّور الذي تبدّى له من بعيد. فقط ابتسم لأنه تذكّر وهو يفكّر في حذائه “شجرة الدرّ” تلك الأميرة المصرية التي اُغتيلت بالقباقيب و قهقه حينما استحضر قصة الطنبوري مع الحذاء ذلك البخيل الذي احتفظ بحذاء له سبع سنوات و قد كتب قصة حب بين الإنسان العربي و حذائه فقهقه طويلا ثم قال عجبي أ تذكر هذه الحكايات القديمة و أنسى قصة حذائي!!
كانت قصة الأعرابي و خفيْ حُنين آخر ما تذكّره فمثلت حافزا لمواصلة الدرب على الشعور بالنّصَب و الأذى و الألم ، مواصلة الدّرب دون تفكير في الحذاء الضائع.
لقد استحضر كل ما علق بذهنه من قصص و حكايات موصولة بالحذاء للاستقواء فكلها كانت حافزا للتّخلي عن التفكير في حذاء استوجب المقام أن يكون ذا قيمة ، فالحذاء قد يكون سبب الألم إن ضاق أو كان بشعا و سبب الألم إن كان غير لائق و إن كان حجمه كبيرا و من قال انه سيقيني من هذا الزجاج فقد يتمزّق أو يبتلّ بالماء و قد يكون غير مريح …
خطا خطوات بطيئة ثقيلة خطو الكليم الموجوع الذي لا أمل له سوى نور استبان من بعيد ، و قبل الوصول إلى النّور ثمة بركة ماء يبدو أنّها محاطة بتراب رطب أملس.. إن وصلت هناك أنال قسطا من الرّاحة قال صابرا متمنّيا بلوغ تلك البركة الملاذ..
تركت تلك الخطوات آثارا مصطبغة بالأحمر الفاتر و تركت آلاما حادّة في قلبه. كانت الأوجاع تعتصره فيتألّم آلاف المرات في كلّ خطوة إلى أن صار أمله ألما. “آه كم ألما طويت”!!
و ما إن بلغ تلك البركة حتى سقط دون وعي منه سقوطا أنّت له الأتربة و قاءت البركة ما تحمله في جوفها.. كانت جراحا تؤلم الأموات وهو شبه ميت فما الذي سيخسره إن أخذه النّعاس فلا يوجد رعب أفظع من هذا الألم… لازمه الأنين و التّأوه و ارتفعت حرارته فغفا إلى أن نسيَ أين هو و من أين أتى حينما انبلج الصبح .
ظلّ برهة من الزمن يتأمّل علّه يظفر بإجابة .. و ما إن تمكّن من التّعرف إلى ذاته التائهة حتى عقد العزم من جديد على مواصلة السّير بيد أنّه لم يتمكّن من اقتلاع جسمه من الوحل كادت البركة تبتلعه و لكنّ إصرارا منه على الحياة جعله يصل اليابسة و قد طابت جراحه فأخذ يتوكّأ على قطعة من الخشب .
أنساما عطرة قد هبّت و غيوما كثيفة تباعدت و فاض الماء من كلّ ينابيع الأرض فعمّ الرّخاء و تجلّى لصابر من بعيد أكثر من قوس قزح في السّماء الممتدّة الزرقاء الصّافية فاتسعت مقلتاه و اعترته رغبة ملحّة في أن يجوب هذا الفضاء الجمال.
أراد أن يكتشف هذا العالم المختلف المباين لما كان مكبّلا فيه رام الاستمتاع بما لم يره و لم يكن على يقين أنّه واقع بيد أنّه انغمس مع تلك الألوان الزّاهية فاصطبغ بها و ذاب فيها و ظلّ يرقص و يقفز و يرقص دون أن يشعر بالنّصب إلى درجة انّه شكّ في أن يكون هو الصّابر : أ أنا صابر ذاته أ م شخص آخر من أكون أ ين أنا ثم تريّث و ضحك طويلا لأنه تذكّر هبنقة الذي استيقظ من النوم فلم يعرف نفسه و تذكّر في الآن نفسه قول أحد الفلاسفة ‘ إذا شككت بنفسك تكون واقفا على أرض مهتزّة ‘فلعن كل الشّكوك التي خامرته و اثر الاستمتاع بملذّات الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: