الأدب في تركمانستان خصائصه وملامحه

الأدب التركماني خصائصه وملامحه(الجزء الأول)

الأستاذة الدكتورة دينا محمد عبده – أستاذ الأدب الروسي – كلية الألسن – جامعة عين شمس
تعتبر تركمانستان إحدى دول الاتحاد السوفيتي السابق. أما اللغة الأصلية التي يتحدث بها السكان هي لغة قبائل الأغوز التي استقرت في منطقة بحر أرال في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. تتميز اللغة بقربها الشديد من اللغتين التركية والأوزبكية، بالإضافة إلي احتوائها علي العديد من المفردات العربية والفارسية التي تم استبدالها في الحقبة السوفيتية بالكلمات التركمانية. ولكن توقفت تلك العملية بعد استقلال تركمانستان عن الاتحاد السوفيتي. يتحدث اللغة التركمانية أكثر من 2.5 مليون نسمة، هم في الأساس سكان دولة تركمانستان، بالإضافة إلي حوالي 600 ألف أخرين في المناطق الشمالية الغربية من إيران و350 ألف في مناطق من أفغانستان و 200 ألف في العراق وحوالي 120 ألف في أوزبكستان وتركيا وكذلك في طاجيكستان وكازاخستان وروسيا، ليبلغ متحدثي تلك اللغة 4 مليون نسمة يتحدثون 30 لهجة من اللغة التركمانية.
بدأت تظهر الملامح التركمانية في الأدب في القرنين الخامس عشر والسادس عشر بلغة تشاجاتاي وهي إحدى لغات وسط أسيا الشهيرة والتي ظل تأثيرها موجودا حتي وقت لاحق. وبالفعل كانت أول تجربة أدبية تنتمي للقرنين السالف ذكرهما. وقد كانت أقدم الأثار الأدبية هي أعمال دينية وأخلاقية للكاتب التركماني الخرساني فيفاي روفناك الإسلام (مصباح الإسلام) عام 1464م مكتوبة في شكل شعري، وكذلك قصائد بيرم خان في القرن السادس عشر وكتاب (أبو الجازخان في علم الأنساب عند التركمان) في القرن السابع عشر.
تم في القرن التاسع عشر تحليل للمحتوي الفني واللغوي للعديد من الروايات المجهولة التي ثبت أنها تنتمي إلي القرون من الخامس عشر إلي السابع عشر وقد استندت للعديد من الموضوعات التي أطلق عليها (الموضوعات الجوالة) المعروفة لكثير من شعوب الشرق، حيث تغني الأدباء بالحب والإقدام وشجاعة الأبطال في التغلب علي العقبات والقتال ضد قوي الشر التي كانت تمثل مخلوقات خيالية من الجن. كما تناولت روايات كل من الأديبين بابا-روفشان وميلك ديلارام صراع ممثلي الإسلام علي وأتباعه ضد الكفار والمشككين. كان أهم ما يميز تلك الأعمال من الناحية الفنية هو تناوب المقاطع الشعرية والنثرية.
ازدهر أيضا في تلك الفترة الفولكلور الشفهي الذي كان يضم الحكايات والأغاني ولأمثال الشعبية والأقوال المأثورة. وظهر إلي جانب الأدباء الذين ينتمون إلي الأصل الارستقراطي النبيل مجموعة من الأدباء من عامة الشعب مثل ألدار-كيسيه و وكيلجيه و ديلاديج. وقد اشتهر هؤلاء الأدباء بسبب اجتهادهم وبراعتهم وشجاعتهم. كان الشاعر المرتجل شهير واحدا من أبرز الشخصيات الأدبية في تركمانستان وكان شاعر الشعب الأمي.
بحلول القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ارتبط ازدهار الشعر التركماني بظهور شعراء مثل آزادي وعندليب نور محمد جريب ومختوم كولي فراجي وشيداي وزيليلي وجيبي.
اشتهر الشاعر آزادي دوفليت ماميد الذي توفي عام 1774م بمقالته الدينية والتعليمية (فاجيز آزادي) (خطبة آزادي) التي كتبها في شكل قصائد فردية وحكايات قصيرة، وكذلك تميزت مؤلفات جابر أنصار وقصائده الغنائية.
أما الأديب التركماني عندليب نور محمد غريب الذي عاش في نفس الزمن كان يمتلك العديد من الأعمال الغنائية والروائية الشهيرة مثل روايات (يوسف وزليخة) و(ليلي والمجنون) و(سجد فيكاس). إن لغة شعر آزادي وعندليب نور محمد غريب كانت بعيدة كل البعد عن شرائع شعر البلاط الشرقي.
يعتبر مخدومقلی فراجی (1731 – 1780)‎ الذي عرف باسم مختوم فراجي من أبرز وأهم شعراء تركمانستان في القرن الثامن عشر. كان شاعرا وفيلسوفا وكان ابن الشاعر أزادي. يعتبر إبداعه نقطة تحول في الأدب التركماني من حيث تنوع الموضوعات الأدبية وغزارتها وثراء اللغة القومية. تحوي قصائده التي لم يبق منها سوي 300 قصيدة إشارات إلي جميع بلدان العالم وإلي الكثير من العلوم الفنون التي كانت موجوده في عصره حيث عبر وتخطي الحدود القبلية معبرا بإبداعه عن تطلع تركمانستان إلي التوحد.
الشاعر مختوم فراجی‎
استخدم الشاعر على نطاق واسع اللغة الشعبية، وتحولت العديد من مقاطعه وسطوره الشعرية إلى أمثال وأقوال شعبية. إن التعرض الجريء لمتناقضات العصر والصدق العميق والأهمية الفنية العالية لشعر مختوم فراجي جعل أعماله نموذجًا تم تقليده ومحاكاته من قبل أفضل ممثلي الأدب التركماني.
مع نهاية القرن الثامن عشر بدأ التقارب بين اللغة الأدبية الفصحى واللغة العامية وظهر ذلك في أعمال شعراء وأدباء أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع أمثال شيداي صاحب رواية (جول وسنفار) والقصائد الغنائية العديدة و جايبي صاحب الديوان الذي يتكون من 400 قصيدة. يعتبر الروائي مغروبي هو مؤلف الرواية الملحمية (يوسف وأحمد) والرواية العاطفية (سيفيل ملك).
يتميز أوائل القرن التاسع عشر بظهور عدد كبير من الشعراء وكتاب النثر يكتبون باللغة التركمانية، علي رأس هؤلاء شابيندي – مؤلف العديد من القصائد الغنائية والروايات والقصص الشهيرة (جول وبلبل) (الوردة والعندليب) ، وكذلك شبخارم وخوجاي بردي خان ونجم أوجلان الذين كانوا يتغنون بالشجاعة ونكران الذات والبطولة في الكفاح ضد الأعداء.
يبرز في هذه الفترة اسم الشاعر مولا نيبس مؤلف رواية (زهر وطاهر) التي تكشف غدر الشاه ورجال الحاشية وتمجد انتصار الحقيقة والحب، وتعتبر تلك الرواية مثلها مثل (جول وبلبل) لشابيندي تنتمي إلي كنوز الأدب التركماني. يتميز إبداع نيبس بالوضوح والقوة وثراء اللغة.
تهيمن الدوافع الاجتماعية على أعمال شعراء النصف الأول من القرن التاسع عشر، وعلي رأسهم سيدي وزيليلي وكيمين. حارب الشاعر سيدي (1758 – 1830) ضد إمارة بخاري وقد دعا في قصائده القبائل التركمانية إلي التوحد والكفاح من أجل الحرية. أما الشاعر زيليلي (1790 – 1844) فقد وصف معاناة التركمان من جانب البايات (الإقطاعيين) والموالي والخانات والحكام الإيرانيين، كما فضح في أعماله الرشوة والقسوة التي تميزت بها الطبقات الحاكمة. أما شاعر الفقراء كيمين فقد كتب عن الحب والحرية وقد هاجم في أعماله نفاق وخداع البايات وكذلك رياء الموالي والقضاة في ذلك الوقت. صدرت عدة مجموعات قصصية تتحدث عن حياة ومغامرات كيمين وصراعه ضد السلطة.

شاعر الفقراء كيمين
في منتصف القرن التاسع عشر لمعت أسماء أخري من الشعراء التركمان ومنهم دوسماميد وأشيكي واللازي وزينخاري ويوسف خوجة (المؤلف المزعومة لرواية (رايتشيني)). كما اشتهرت علي نطاق واسع أسماء أخري مثل بايلي واللاكولي ودوفان وكارا أوجلان. وقد بقي من إبداعهم مجموعة من القصائد الفردية.
ظهرت في ستينيات القرن التاسع عشر القصيدة التاريخية الشهيرة للشاعر عبد الستار (كتاب القصص عن معارك التكين مع الإيرانيين).
في ثمانينيات القرن التاسع عشر تم غزو تركمانستان من جانب القوات الروسية. كتب كل من الشاعرين مياتادجي (1824-1884) وميسكين-كليش (1845-1905) عن الدفاع البطولي لجيوك تيبي أخر حصون التركمان التي تم من خلالها محاربة القوات القيصرية الروسية. تغني هؤلاء الشعراء أيضا بالحب والحرية.
ظهرت في القرن التاسع عشر أول كتب مطبوعة باللغة التركمانية. وفي مدارس ما قبل الثورة تم في المدارس تدريس لغة أسيا الوسطي المعروفة تشاجاتاي . لكن الغالبية العظمي من السكان كانوا أميين.
بدأت اللغة التركمانية الحديثة تتشكل في بداية القرن العشرين. ففي عام 1913م تم نشر أول قاموس روسي تركماني تحت إشراف بيليايف، وصدر أيضا تحت إشرافه وتحريره كتاب (قواعد اللغة التركمانية) عام 2015م.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: