إسلام فوزي محمد يكتب : “ملامح من الزمن ومن الروح” بين دومينيكو بيزانا وحسين محمود

“ملامح من الزمن ومن الروح” بين دومينيكو بيزانا وحسين محمود

إعداد: إسلام فوزي محمد

 

إنه ديوان شعري يجمع قصائد كتبها الشاعر والأستاذ الإيطالي دومينيكو بيزانا Domenico Pisana، ابن إقليم صقلية، في الفترة بين 2020 و2023، وصدر حديثًا هذا العام 2024، وقد كتب له التصدير باللغة الإيطالية الأستاذ الدكتور حسين محمود، أحد أعلام الدراسات الإيطالية في مصر في الوقت الحالي.

وفي مقدمة الديوان يقول المؤلف الشاعر دومينيكو بعض الكلمات التي تعبر عن فلسفته للحياة فيقول:

إن الحياة، جنة عدن التي وضع الله فيها الإنسان مع لحظة الخلق، ليست مساحة يسكنها الإنسان بسلبية، لكنها هبة من الله لا ليس لأحد ملكيتها الفعلية ولا حتى التملك اللامحدود من الزمن. إن الحياة هي وجه الله، إنها محبته المبارِك، ومسكن تجلياته، أي شيكينيته Shekhinah.

إن الأرض هي التربة التي يصنع فيها الإنسان خبرة وجوده، ومسيرته، ومعرفته، وخطأه، وإعماره، وهدمه، وإعادة بنائه، وتركه لإرث من الأثر، والعلامات والرؤى. إن الحياة التي يرغب بها القلب ليست ببساطة ما يطلق عليها مرور الزمن kronos، لكنها تلك التي تستطيع أن تخلق لنفسها اللحظة المناسبة kairos، مساحة زمنية مثل مكان حواري للاختيار، وللقرارات، وللإصغاء إلى الذات وإلى الآخر، وللعلاقة مع الإلهي، وللمعرفة والمسئولية، وللتآلف والمشاركة؛ إنها مساحة من القراءة والكتابة، ومن الصوت، ومن الغناء، ومن التعبير.

هكذا قدم الشاعر دومينيكو لديوانه الشعري قبل أن يترك المساحة لصوت آخر يعبر عن قراءة من زاوية أخرى لهذا الديوان فوضع حسين محمود للتصدير الذي كتبه لهذا الديوان عنوانًا ألا وهو “الروح والزمن والله” ووضع فيه رؤيته النقدية وقراءته لهذه القصائد التي شملها الديوان الشعري بنظرة تأمل واعية. ويقول فيه ما يلي:

أرى الله في كل بيت شعري من قصائد هذا الشاعر الصقلي، دومينيكو بيزانا، الذي منحني هذا الفضل بأن أكتب تصدير هذا الديوان الشعري، الذي آمل أن ينال التقدير الذي حازت عليه أعماله السابقة. وعلى الرغم من أن هذا العمل، مع الأعمال الأخرى، تستحق تحليلًا نقديًا متأنيًا ومفصلًا أكثر من ذلك، فسأكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الملاحظات السريعة، منتظرًا أن أجد لحظة مناسبة كي أدرس شعرية هذا الكاتب والشاعر والناقد وعالم الدين الذي يتمتع برؤية فلسفية للعالم الذي يعيش فيه، وبكل حواسه الحيوية، آملًا أيضًا أن أجد وقتًا أكبر لأنقل قصائده إلى اللغة العربية.

وبدءًا من العنوان نفسه الذي يفترض أن يصف بصيغة شعرية شيئين يصعب تعريفهما: الزمن والروح. إن مطلقية الزمن هي الخلود، الذي هو أمر إلهي بدوره، نظرًا لأن الخالد هو الله. وتماثل ذلك أيضًا الروح: فليس لها جسد لكن في بساطة تعريفها تنتمي إلى الله.

إن الزمن والروح مفهومان تعرض لهما فلاسفة ودارسون لقرون طويلة. لا يوجد تعريف موحد لأي منهما، لكن من الممكن أن نتعرف على بعض الملامح المشتركة التي يمكن التعرف عليها وتعريفها في قصائد هذا الديوان الشعري.

يفتتح دومينيكو بيزانا ديوانه بقصيده أهداها إلى حفيدته المولودة حديثًا. روح جديدة. مخلوق نقي وبريء.

مثل هبة إلهية

نفحة بهية

لربيع دافئ

تفتحتِ على الحياة.

فروح هذه الطفلة موجودة منذ الأبد، فلم تولد من رحم أمها، لكنها تتفتح على الحياة. كانت موجودة روحًا والآن باتت موجودة أيضًا جسدًا.

إن الانفتاح على العالم يشير إلى عناق الروح مع الزمن. وبمعرفة العالم يعرف أيضًا تاريخ هذا العالم (الماضي)، لكن أيضًا المستقبل الذي يحدد الخط المستقيم للزمن. إن تاريخ العالم هو نفسه تاريخ الروح التي تطور عبر الزمن. وبذلك يعرف الشاعر التاريخ الذي يتكرر برسم رؤية خيالية للمستقبل، وليس فقط للطفلة، لكن أيضًا لعلاقتها بالأرواح التي توجد حولها، ومن بين تلك الأرواح جدها الشاعر ووالداها اللذان يرعيانها.

وفي قصائد الديوان نشعر بوجود شخصيات ما تتحاور مع الشاعر. هناك دائمًا “أنا” و”أنت”، أنا الذي أنظر وأنت الذي تعرفني. أنا الشاعر، لكن أيضًا الإنسان، والإنسانية كلها. وأنت المسيح، الله، المحبوب، النجاة والأمل.

والموضوع ذاته الخاص بالروح والزمن، يحمل في طياته الإيمان والأمل: فالروح تساوي الإيمان والزمن يقابل الأمل. إن النص الذي يحمل عنوان “أحب وآمل” يُعد قصيدة تستكشف موضوع الإيمان والأمل بطريقة يميزها في الأغلب الظلم والمعاناة.

يبدأ الشاعر واصفًا تلك الأمسية مثل لحظة من الصمت والسلام، تهدأ فيها الحياة وتبحث الروح عن الفجر. ومع ذلك، فهذا الهدوء تقطعه صورة آريس، إله الحرب، الذي يمزق ذهن الشاعر بظلمه. إن ظلم آريس تقارن بصليب المسيح، رمز المعاناة والموت، لكن أيضًا رمز التحرير والأمل. أصوات الحرب والسلام تتمخض وتنقسم في ذهن الشاعر، لتخلق بذلك حسًا من الارتباك والتيه. ومع ذلك، فإن الشاعر لا يستسلم للإحباط ويتسمر في المحبة والأمل. فإن الأمل هي القوة الوحيدة التي بإمكانها أن تساعد الإنسان على تخطي الصعوبات وإيجاد السلام. وتقريبًا مثلما هو الأمر في كل القصائد، هناك رسالة أمل، بوصفها القوة الوحيدة التي يمكنها أن تساعدنا على تشييد عالم أفضل.

لكن لي بلا تفسير،

وبلا فهم،

أحب وآمل.

ومثل رسالة إلهية تدخل إلى ثنايا الشاعر بيزانا ما يشبه الصراع الداخلي بين الحب والأمل. وبين المناظر الصافية والهادئة وانتظار فجر الصباح يقبع ذلك التوتر الذي يعبر أفضل من أي شيء آخر عن روحه الشعرية.

إن القصائد مليئة بالصور الإيحائية التي تنقل معنى كونيًا للاضطراب الذي، لكثير منا، يعد غير مفهوم، لكنه بالنسبة للشاعر يُعد شيئًا آخر تمامًا: إنه أمر مفهوم جدًا جدًا، لأنه يمكن دائمًا التغلب عليه، بحب الخالد وأمل الروح. إن الحب يعطينا القوة لمواجهة الواقع، أيضًا عندما يكون صعبًا ومؤلمًا. إن الأمل يعطينا القوة لنصدق في مستقبل أفضل، أيضًا عندما يبدو كل شيء مفقودًا.

كل القصائد التي يمكن أن تُقرأ في هذا الديوان تعد نصوصًا تُرضِي عنصرين جماليين، كلاهما مصدر لمتعة القراءة: فهي نصوص جميلة وذات معنى. إن الشاعر يتحدث بطريقة رائعة عن معانٍ وجودية جادة. وبالإضافة إلى الصور الإيحائية، فإن هذه النصوص محملة أيضًا برمزيات يمكن تفسيرها بطرق شتى، لتنفتح على آلاف الاحتمالات للقراءة والإلقاء. إن التعدد، والتنوع والثراء في شعر بيزانا، يعكس بكل أمانة التعددية والاختلاف للحياة نفسها. الشاعر ذاته يظهر قدرة كبرة على مزج الشخصي والحميمي بالعالمي والكوني.

وبهذه الكلمات قدم الدكتور حسين محمود قراءة نقدية لديوان شعري يحتاج حقًا إلى قراءة نقدية أعمق وأكثر تحليلًا وكذلك إلى ترجمة عربية تقدم للقارئ العربي نصوصًا شعرية ثرية بالثقافة المتوسطية الإيطالية الجنوبية. ولعل لما للدكتور حسين من باع في قراءة الشعر وترجمته عامل يساعد على قدرته في تذوقه وكذلك في التقديم له لدى القارئ العربي بحس يعكس مدى تذوقه. ودومينيكو بيزانا، الذي ينتمي إلى ثقافة الجنوب الإيطالية وتحديدًا إلى صقلية، يعد خير ممثل للثقافة الإيطالية التي التقت بالثقافة العربية في تلك الأرض ومدى كان لها أثر في روح الشعر بعامل الزمن والتاريخ. فأولى مدارس الشعر الإيطالي نشأت في صقلية في بلاط الملك فريدريك الثاني، الذي كان يدعو الشعراء العرب الذين ذهبوا إلى صقلية أو ولدوا بها في تلك الحقبة التي عاش فيها العرب والمسلمون في تلك الأرض وأسهموا ثقافيًا في تراثها.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: