إبراهيم نصر الله ( 2 ) –  صغيران للحب 

إبراهيم نصر الله ( 2 ) -  صغيران للحب 

 

بقلم: دكتورة نهى مختار محمد – كلية الألسن جامعة عين شمس

 

“وما الذي رآه الغراب

كي يرتدي السواد

طوال هذه القرون”

نصر الله1997م

هذه السطور الشعرية التي أستفتحُ بها المقال هي ما ختمتُ به المقال السابق عن إبراهيم نصر الله وقصائده الصغيرة ذات الأعماق البعيدة التي تأخذك إلى عالم آخر يتشكل من خلال رؤيته التي تجمع بين البساطة الشديدة والعمق، وهذا ما يميز سطوره الشعرية الجميلة التي بين أيدينا في عدد مجلة نِزْوى.

الشاعر يكتب هذه المباني الصغيرة تحت عنوان “والسروة تعدو”، هل هذه القصائد الصغيرة تعدو كذلك، لهذا تنتهي سريعا، هل هي كالعمر الأخضر الذي يعدو؟

وسط “مكيدة”، و”نهايات”، و”انتقام”، و”خسارات”، وسواد الغراب في “حداد”، و”أسئلة”، و”تعب”، و”خواء”، و”الغبار1″، و”الغبار2″، و”الغبار3” إلى “الغبار6″، وسط كل هذه العناوين القاتمة تجد الحب مضيئا يتحدّى المواجع والاغتراب، ونصادف قصيدتين تحملان عنوان “حب”، يقول في الأولى:

فرحا أعدو إلى الهاتف

تاركا القصيدة في منتصفها

فقط

حين تتصلين

من الذي يستحق أن تقطع خيط إلهامك واتصال كلمات إبداعك لأجل اتصاله بفرح وسرور؟

الشاعر بدأ مقطوعته “حب” الأولى بدالّ الفرح، وجعله حالا مُقدَّما على فِعل (العَدْو)، ومُقدَّما على الجار والمجرور “إلى الهاتف” وسيلة هذا الاتصال، وفي علم البلاغة يبحث “علم المعاني” عن أسرار هذا التقديم، يتأمل مختارات الإنسان في كلماته، وتنسيق كلماته هذه داخل الجملة بحسب تنسيق المعاني في الروح كما يُعَلّمُنا عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم.

 

“فرحا أعدو إلى الهاتف”

نقول في محاضرات البلاغة عن علة التقديم: للاهتمام بالمتقدم، وتسليط الضوء عليه، وتعجيل المسرة أو المساءة.

(الفرح) مُقدَّم على كل شيء، إنه الشعور الدافع للعَدْو، نشاط الروح تجاه محبوب معين بعيدا عن محبوب آخر، هذه الروح التي لا تنشط هكذا سوى بشعور الحب، على المتلقي أن يعيش حالة الفرح مع الشاعر قبل أن يعرف أسبابه، التقديم هنا؛ للاهتمام بهذا المُتقدم العزيز الصعب المُفتَقَد البعيد، وتسليط ضوء المعنى عليه، وتعجيل المسرة.

“..تاركا القصيدة في منتصفها

فقط

حين تتصلين”

القصيدة محبوبة لا يتركها أبدا عادة، لكنه في هذه اللحظة المحددة يتركها في منتصف الطريق ويجري باتجاه محبوب آخر، لعل القصيدة تعرف ذلك وتتقبله؛ لأنها تجد الشاعر حين يعود إليها يعود بإلهام جديد حتى لو انقطع الإلهام الأول، نعود للسؤال: متى يتقبل الشاعر قطع خيط إلهامه الغالي بهذا السرور والرضا؟

يتقبل ذلك إذا كان في اتصال مع مصدر الإلهام نفسه، المَعين، والزاد، إنها الإلهام الاستثناء في حياة الشاعر، قصيدته الأم التي تروي قصائده الصغيرة، فيعدو لأجلها -كالسروة المليئة بالحياة والنشاط- تاركا ما يحب، وتاركا الهموم وراء ظهره تعدو خلفه ولا تبلغه، وإذا أدركته فإنها تتلاشى على أعتاب هذا الاتصال السعيد.

أما القصيدة الثانية التي تحمل عنوان “الحب” التي هي المبنى الثاني الصغير للحب عند نصر الله فلنترك تحليلها للمقال القادم بإذن الله، حيث يرن هاتفي فـ..

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: