إبداعات الشباب من قلب محاضرات ملهمة

أقدم لكم نصا بديعا للطالبة سارة أحمد عبد الرازق من الفرقة الثالثة قسم اللغة العربية بكلية الألسن جامعة عين شمس، قدمَت سارة هذا المقال بوصفه تكليفا لمادة الأدب والنصوص التي يدرسون فيها نصوصا جميلة مختارة من الأدب المصري والأدب الأندلسي شعرا ونثرا، فخرجت الورقة عن حدود التكليف إلى حيز الإبداع الذي يمزج بين الحقيقة والخيال من واقع سحر محاضرات الأستاذ الدكتور سيد محمد قطب والأستاذ الدكتور عبد المعطي صالح إذ يكون منهما الإلهام الذي يتسرب إلى طلابهما فيقدمون أجمل ما لديهم من رصيد جمالي وفكري. نهى مختار.
تُعد أمسوس مدينة مصرية في الخيال العربي، لم يعرف العرب تاريخًا لمصر عندما دخلوها، فقرروا أن يضعوا واحدًا بأنفسهم، وقررت أن تكون ورقتي البحثية لمادة النصوص التطبيقية عن هذه المدينة المُتخيلة، وعلى غير عادتي قررت أن أزور مكتبة قديمة للبحث عن أي شيء يخص هذه المدينة، وفي النهاية لم أقم بهذه الزيارة بالطبع، ولكني فكرت في الصعود لمكتبة الكلية والنظر في مكتبة الدكتور عبد الله خورشيد، لعلي أجد في هذه المدينة شيئًا، وإن لم أجد، فيمكنني أخذ أي كتاب منها بشكل عشوائي وأكتب أي مقال لآخذ درجاتي كاملة وأرتاح من هذا العبء.
وبعد عدد لا أود ذكره من المحاولات لإقناع سكرتيرة المكتبة بأني لست في الفرقة الثالثة، وأن كل مرة رأتني فيها خلال تلك السنوات، كانت توهم منها، سمحت لي بالدخول فبدأت بالبحث والتفتيش في الكتب كأنني أرى لأول مرة مكتبةً في حياتي، والغريب أنني أُعجَبت بها برغم أني لست من عشاق القراءة، ولأني عاشقة لكل قديم، وقعت عيناي على كتاب متهالك، كان وراء صف من الكتب، بغير عنوان أو غلاف، فَرُحْت أنظر داخله، وليتني لم أفعل، فأنا أحتار في فهم العربية كيف أفهم المصرية القديمة، كان الكتاب يحمل صور برديات مصرية مع أبيات شعر وكتابة طبيعية التي أفهمها (الحمد لله) وعلق أحد -أظنه الدكتور عبد الله خورشيد- على بعض الفقرات بقلمه، كانت رسالة لمن يحمل هذا الكتاب من بعده، قال فيها: “إذا وصلت فخذني” وعلَّم على بعض كلمات الكتاب.
كان الكتاب مفتاحًا لسر ظل الدكتور يبحث فيه عمرًا، كل ما أراده لقاء مع ابنه، وكانت هذه البردية خاصة بالملك (هرجيب) الذي بنى ابنه من بعده مدينة أمسوس التي توصل الدكتور لمكانها، وهي في مكان قريبٍ من الإسكندرية، لم تكن المدينة كما ظن العرب أنها مجرد خيال، ولم تكن وظيفة المرآة كما ظنوا ولا الساعة، فكل هؤلاء مع بردية هرجيب مفتاح لمدينة أخرى بل عالم آخر، فورًا بعد علمي بفرصة التقائي مع أبي (المتوفى) مرة أخرى تركت تكليفي وكل شيء خلفي، ورحت أكمل ما بدأه الدكتور…
وبالفعل توصلت لشروط دخول المدينة بعد ترجمتي للبردية التي يجب أن أضعها فوق رأس الإنسان أعلى منارة أمسوس، ثم أقف أمام مرآة أمسوس الشهيرة ومع صوت ساعة منتصف الليل ننتقل إلى المدينة الأخرى، ولأن من يتوصل لهذا اللغز عبقري يسمح له باصطحاب من يحب سواء أكانوا على قيد الحياة أم لا أخذت معي صديقتي العزيزتين اللتين فقدتا أحباءهما مثلي، وأيضًا الدكتور وزوجته، والشاعر ظافر حداد الذي احتجته لأنه كان من شروط البردية (شخص يربط بين العالمين-يعرف سر أمسوس-عاش مشتاقًا لأحبائه).
عبرنا البوابات التي كانت بين العالمين، بعدما تأكد وزير الحرس من اكتمال الشروط ورأينا عجائب؛ بدايتها كرسيّه الذي كان على شكل بطة مثل اسمه حتى الحراس الرسامين، وصلت لمكان عجيب مليء بالماء والخضرة، وسمعت صوت بكاء خلفي ثم التفت ورأيت صديقتي غلبها البكاء عندما رأت جدتها مرة أخرى، وكان لقاؤهما كما وصفت وداعهما تمامًا “في حضنها”، أما الأخرى فأخذت تمشي مع والدتها بعيدًا حتى يتمكنا من الحديث معًا وقول ما لم يُمكّنهما الوقت من قوله كـ “أنا أحبك” أو “أفتقدك”، ولا تقلقوا عادت أضلع المثلث الثلاث مجتمعة، ثم رأيت أبي وجلسنا معًا ناظرين إلى بعضنا لفترة طويلة، ثم قضينا اليوم نتحدث وقلت ما لم أستطع قوله له في حياته، قال لي إن كل شعر ومقالة كتبتها له وصلته وظللنا نضحك ونبكي، حتى مر ظافر ليبلغنا أنها النهاية “باق خمس دقائق” ذكّرنا بأن من لا يصل للبوابة قبل دقات الساعة لا يُعرف مصيره، وسبقنا…
تبقت دقائق وتدق ساعة منتصف ليل اليوم الجديد، نعم لم نشعر بالوقت يا أبي لكن دعني أودعك بكلمات حبٍ وأقول لك شعرًا أو فقط أنظر لعينيك لأطمئن، وبدأت أقول له: أن…
(صوت الساعة)

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: