إبداعات الشباب-  قصة “لسنا فترات” بقلم مي محمد عبد الحميد

 

تقديم: د. نهى مختار

وكيف لا تفوز هذه القصة العظيمة في مسابقة الإبداع التي ينظمها قسم اللغة العربية في كلية الألسن بجامعة عين شمس!

وقد اعتنت صاحبتها بالفكرة والقيمة والصياغة الأدبية الجميلة وطريقة السرد البارعة التي تتنقل بين المشاهد بحيوية، فتُروى الحكاية بعين من الخارج إلى الداخل، بمشاركة الأبطال الثلاثة (الرجل والمرأة والكلب)، فتسمع أصواتهم عن طريق الحوارات الجارية على ألسنتهم- الحوارات الأحادية والثنائية، والحوار الصامت المبين بالأعين- فترى المشهد من منظور كل شخصية بخصوصيتها الشعورية والفكرية والإدراكية والنفسية والتعبيرية، وقد خرجت على هيئة أقرب لسيناريو فيلم قصير حزين تراه أمام عينيك بوضوح مع كل جملة، ويصلح جدا كذلك ليكون فيلما صامتا عن معنى الرحمة والوفاء والنبل، وتجد مع كل فقرة تقنية المونتاج التي تعبر عنها الكاتبة بالنقاط الكثيرة المتجاورة والفراغ، فتستمتع بما كتبته ابنة قسم اللغة الإسبانية وابنة الألسن المبدعة الشابة “مي محمد عبد الحميد” في قصتها التي بعنوان:

لسنا فترات

يجلسان على الأرجوحة في حديقة منزلهما الصغيرة في حي الزمالك الراقي، قبيل العصر حيث بدأت شمس أغسطس بالانخفاض وحرارتها تهدأ قليلا، ويخالجها بعض نسمات الهواء الذي يحمل حرارة الشمس المحبسة في الأرض، ما يجعلك تشعر بها كاللهيب، وبرغم ذلك يجلسان لاحتساء الشاي كما جرت العادة بعد كل وجبة غذاء، هكذا العادة وهكذا سيفعلان، فهي حبيبته وأنيسة عمره، التي اختارها وحارب من أجل حبهما كل الظروف، ألا يكفيه أن تكون بجواره يأنسان ببعضهما.

هو وهي ولا شيء أكثر إن كان هذا نصيبه من الدنيا فلقد اكتفي لكن هي، أتكتفي به؟ هي لا تكتفي، يتنهد بعمق ساحبا نفسا عميقا ليحتسي رشفة من كوب الشاي ناظرا لها يتأملها جالسة بجواره منهمكة في قراءة كتاب لا يحتاج أن ينظر لعنوانه ليعرف أنه مختص بأدب تربية الطفل، طفل طال انتظاره وكلما طال الانتظار ضعف الأمل وازداد القلق واستسلم الجميع أن هذا أمر الله، الجميع إلا هي، ما زالت تنتظره يقينها يخبرها أنه آت، وهي تتجهز لهذه اللحظة، إرادة الله فقط سبب تأخره لا يوجد ما يمنع مجيئه لذلك ستنتظره… ستنتظره وستأجل كل شيء حتى يأتي، ستوقف كل شيء حتى يأتي، ستنعزل عن العالم حتى يأتي، لا فرحة إلا به لا ضحكة إلا به لا حياة لهما إلا به.

يضع الكوب على المنضدة أمامه ليعيد رأسه إلى الخلف يغمض عينيه يشعر بلهيب الهواء يلسع وجهة تتهدج أنفاسه، الملل يقتله والوضع بات يخنقه، هو لا يريد أن يضغط عليها ولكن لقد ضاق به الحال ثمان سنوات من الانتظار، ولما ننتظر لما لا نترك كل شيء يأتي كما يأتي، لما نرهن حياتنا بفرحة أمر معين، تتهدج أنفاسه، تهتز الأرجوحة من تحته فتزيد من توتر أفكاره وتزاحمها في عقله… يفكر …ويفكر …ويفكر

ليعتدل فجأة مركزا جلسته وهو يوجه حديثه لزوجته:

-لقد قررت شراء كلب.

تغمض عينيها محاولة التحكم بأعصابها، تغلق الكتاب ونظارتها الطبية وتضعهما فوق المنضدة ملتفتة بجسدها إليه مردفة بنبرة حاولت جعلها هادئة:

-ألم نناقش هذا الأمر من قبل يا حبيبي واتفقنا على أن أجساد الكالب تمتلئ بالجراثيم التي قد تضر بصحة ابننا!

يعتدل في جلسته مرتكزا على إحدى قدميه واضعا أحدهما أسفل فخذ الأخرى وقد اشتعل فتيله، مردفا:

-وأين ابننا ذاك؟!

تنظر إليه معاتبة وقد تلألأت دمعة في عينها يرق لها قلبه ليتنهد ممسكا بيدها محاولا استرضاءها:

-حسنا حبيبتي نشتري كلبا الآن وعندما ينور ابننا العزيز نلقيه، هل اتفقنا؟

تتنهد ضاغطة على يده مبتسمة بموافقة، فهو يتحمل الكثير من أجلها لذلك لا تريد أن تحزنه…

………

 

في إحدى محال بيع الحيوانات الأليفة

يقفز الكلب روك فوق منضدة مرتفعة قليلا مهللا وهو ينادي الجمع بسعادة جامة منغما كلماته:

-لقد أتيتكم بالأخبااار.

يقفز روك واقفا بينهم مكونين حلقه حوله متلهفين لما سيقول ليخبرهم بسعادة غير مطيل عليهم التشويق:

-سيجد أحدنا اليوم عائلته، هناك والد بالخارج.

تلألأت أعين الجميع تغمر قلوبهم السعادة والجميع يتمنى أن يكون هو صاحب النصيب…

دقائق تمر ثقيلة حتى أخيرا تُضغط يد الباب يدفع ثم يلج الحارس ومعه صاحب الدار مندمجا في الحديث مع الضيف وعلى ما يبدو أنه يشرح أكثر عنا أو يعرفه علينا فها هي يده تمتد نحو سان ثم يديرها نحو عنتر وها هو الآن يلتفت ذاهبا تجاا.. أآه حسنا لقد كان باتجاه آنه يأخذها ثم يعود في اتجاه الضيف يستمر في الحديث دون توقف هل يكون هذا الوالد من نصيب آنه حسنا آنه تستحق أن تحظي بعائلة لا يهم سيأتي نصيبي يوما وستتبناني عائلة تحبني يوما.

يترك الضيف صاحب الدار ويتلفت بيننا ينظر لكل واحد منا تقع عينه علي أراه يدقق النظر لي يبتسم ثم يحل عينيه وقبل أن يلتفت أجري متلهفا نحوه أداعب قدمه بدلال أعرف أن له تأثيرا على البشر وها هو نجح تأثيري فها هو يجلس القرفصاء يداعبني و…

ها نحن عائدون إلي بيت صاحبي، بيتي الجديد حيث سيكون مسكني، مأمني وعائلتي…

لم أعرفكم بنفسي، أنا جاك، ٦ أشهر ونصف من أصول أوروبية، في الحقيقة لا أعرف ما الذي أتى بي إلي هنا، لكن على أي حال لا أكترث لذلك فنحن الكلاب نعّد موطننا هو بيت صاحبنا، هو بداية العالم وآخره، نحميه بأرواحنا، ما يؤلمه يمرضنا وما يسعده هو بهجة الدنيا لنا، وأنا اليوم أصبحت مالك وطن.

 

…………..

 

تمر الأيام سريعة هنية حتى إن سيدة المنزل كانت في البداية لا تقربني، لكن الآن فهي تعتني بي بنفسها تحضر لي الطعام وتنظف منزلي تأخذني إلي الطبيب وتحممني بنفسها، صاحبي يحبني كثيرا أراهن على أنه يموت بدوني، لا يراني إلا وترسم البهجة على وجهه، يحب الخروج للتنزه معي يأتي إلي دائما عندما يريد التحدث، أشاركه فرحته وحزنه مشاكله وهمومه نتقاسم كل شيء فهو وطني وأنا له وطن وملجأ…

…………

هكذا كانت الأيام سعيدة تمر حتى ذلك اليوم عندما أقيم عشاء على أضواء الشموع، عشاء لم أدع إليه لكني طالعته من الخارج، لأول مرة منذ قدومي يُقام مثل ذلك الحدث عشاء بدأ بتبادل الهمسات والابتسامات الهادئة الكثير من الأحاديث والذكريات تبدو أنها فُتحت، صحيح أني لا أعرف لغة البشر لكني لا أخطئ أعينهم أبدا، سهرة بدأت بهمسات السمر وانتهت بضحكات مجلجلة يحتضانها ويقبل يدها، صاحبه يبتسم ملء فيه عيناه تلمع بدموع لم يسابق له أن رآها في عينه والسيدة تضحك وتضحك لا تتوقف عن الضحك، يبدو أن هناك مفاجأة ويبدو أنها سعيدة وطالما أن صاحبه سعيد فهو لا يكترث لشيء آخر.

…………..

 

في صباح اليوم التالي

يذهب جاك مع صاحبه في نزهة، اعتاد جاك على ذلك على الرغم من أن اليوم ليس الموعد الأسبوعي المخصص لنزهتهما لكن لا يهم من المحتمل أن يكون صاحبه يريد التحدث إليه كما الدائم ولا يريد من السيدة أن تسمع حديثهما ربما الأمر له َعلاقة بمفاجأة أمس أو أي شيء آخر.

………………

يرتجف جسد جاك من الخوف يلتفت حوله ينظر في كل مكان يحدق في كل الوجوه ينبح بأعلى صوته لعل صاحبه يسمعه، الشمس أوشكت أن تغيب وهو لا يجد صاحبه، لقد أضاعا بعضهم البعض تلك الكرة اللعينة ما كان يجب عليها أن تذهب بعيدا هكذا عندما ألقاها له صاحبه من المؤكد أنه قلق عليه الآن إنه لا يستطيع الحياة بدونه، كيف سيجد صاحبه الآن كيف سيعود إلي المنزل!

أضاع وطنه؟!

………….

تمر الأيام بطيئة ثقيلة على الجميع ولكلٍ أمله، صاحبه وزوجته والبهجة تضيء حياتهما في

انتظار استقبال مولودهما الذي طال انتظاره…

أما عن جاك فهو أيضا كان لديه أمله الذي يعيش عليه، مثلما أضاع صاحبه وأضاع عائلته بنفسه عليه أن يجدهم بنفسه، يبحث ويجوب في كل الطرقات إنه يقترب يشعر أنه يقترب، لا يعلم كم من الزمن مضي لقد فقد الكثير من وزنه بالإضافة إلي أنه لم يستحم منذ أن أضاع بيته، متعب فجسده لم يألف نوم الطريق بالإضافة إلي بعض الخدوش والإصابات فالكلاب الشاردة تهاجمه كلما مر من طريق يخص مجموعة منهم اللعنة عليهم وكأنه يهتم لسرقة مكانهم لا يريد إلا العودة لبيته…

………….

وبعد سبعة أشهر من ضياعه يقف أمام باب البيت وقد خسر الكثير من الوزن، متسخ ومجهد، قدماه ترتجفان لا تقو على حمله لكنه سعيد.

وأخيرا عاد وأخيرا وجد بيته، يا ترى كيف حال صاحبه كيف سيشعر عندما يجده أمامه؟ ينظر جاك إلى البيت من الخارج يتأمله، أنوار كثيرة تزين البيت من الخارج لم يألف وجودها من قبل لكنه لا يطيل التأمل يدفع باب الحديقة برأسه ويدخل، هناك حفل أو ما شبهه، الكثير من الناس تجتمع في الحديقة، وها هي سيدة المنزل تجلس حاملة بيدها طفلا وبجوارها…

وبجوارها صاحبه الذي اشتاق يهرول إليه نابحا بسعادة

لكن يوقفني صراخ السيدة منتفضة من فوق المقعد صارخة:

كيف دخل هذا الكلب الجِرب إلى هنا، أخرجه بسرعة قبل أن يصيب ابننا بعدوى.

يهدئها صاحبي ويخرجني فورا دون لمسي بعصا كان يهددني بها حتى أصبحت خارج الحديقة دقق بوجهي، اقترب مني تلاقت أعيننا أخبرته إنه أنا، توسلت بأعين مرتجفة عينيه ألا تتركني، وأن يعيد لي دفء منزلي وعائلتي توسلت بأعين مرتجفة ألا يكون قد تركني في الحديقة عمدا لكنه لم ينصت إلى أي من توسلاتي فقط التفت دخل بيته وأغلق الباب من خلفه.

اقتربت من باب بيت صاحبي ببطء وقفت عنده طويلا، نبحت قليلا…وعندما ثقلت قدماي استرحت بجوار الباب وضعت رأسي بين يداي وغفوت… غفوت إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: