إبداعات الشباب قصة “رفيق الكفاح” لحنان شكري عبد العليم

تقديم د. نهى مختار

رفيق الكفاح يبدو أنه يعرفني جيدا.. بعد المحاضرة بدقائق نزلتُ بتجاه المسجد وحجرة رعاية الشباب، لأسمع “حنان” تُحدّثهُ عني وكيف كافأتُها على تفوقها في المحاضرة بقطعة حلوى وابتسامة تشجيع تستحق أن تراها كل صباح كما هي مشرقة دائما بطيب حضورها، تتحدثُ معه بحماس جميل، لا تنتظرُ أن تعود إلى البيت لتروي له هذا الموقف البسيط؛ لأنها تحب أن تشاركه اللحظة في حينها حتى لا يَفقدُ صوتُها نبرةً من نبرات الفرح، ولا تفقد عيونها شيئا من لمعة الرضا التي تظهر في كلماتها.

في الوقت الذي نطقَتْ فيه اسمي في المكالمة الهاتفية رَأتْني أمامها فجأة فارتبكتْ كلماتُها حاملة التعجب والدهشة الممزوجة بفرحة المصادفة، وها هي بصدد حكاية جديدة ترويها للبطل وهي تُفسِّر له سبب هذا الارتباك المفاجئ. في الحقيقة لم أسمع كلمة واحدة من هذه المحادثة التي أرويها، لكني قرأتُ ذلك كله من خلال نظراتها المعبرة الصادقة، لتخبرني بعد ذلك بمدة أن هذا ما حدث فعلا.

سعيدة بأني جزء من يوميات صغيرة جدا لا تستغرق سوى دقائق معدودات في حديث ابنة مع أبيها البطل، الذي كتبَتْ عنه هذا الإبداع الفائز في (مسابقة الإبداع)، فتعرفنا على شخصية رجل عظيم تتزين به الكلمات والأيام، وتتشرف به الحكايات، في لقائي بها في جامعة عين شمس، في كلية الألسن، في تجربة التدريس للفرقة الأولى قسم اللغة الإسبانية، في مجلة الديوان الجديد.

كتبت حنان:

قصة روح؛ لا بد أن تُروى حتى وإن كانت في قصة قصيرة.

في يوم الاثنين الموافق ٢٧/٩/١٩٧٦ وُلد رجلٌ في جسد طفل، أظن أن أول يوم في حياته وجد نفسه في بيتِ يشبه كوخ ريفي، نستطيع أن نقول عليه بالمصرية (عشة)

كان هذا الكوخ يحتوي على غرفتين، غرفة لمعيشة هذا الرجل وأسرته،

وغرفة أخرى كانت ترعى بها أمه بعض الطيور كما هو الحال في أي بيت مصري،

أتت به أمه إلى الدنيا، فكان أخاً لثلاثة من الأخوة وثمانِ من الأخوات.

كان أبوه شيخًا كبيرًا كفيفًا وكانت أمه مصابة بالمرض اللعين، كان كأي طفلِ التحق بالمعهد الأزهري لكنه لم يُكمل الصف الثالث الابتدائي بسبب قسوة ظروف معيشتهم وللتخفيف عن كاهل والديه، وقسوة معلمه الذي كان يعيره بثيابه المُقطع وشعره الطويل، لأنه لم كان يمتلك ثمن الحلاقة ولا ثمن ثياب جديد، فكان معلمه يُخرجه أمام زملائه ويقول لهم: (شايفين لابس مقطع واشطر منكم!) وكان هذا المعلم القاسي (بيطلع القميص بره البنطلون عشان يظهر القطعات إللى فى اللبس والترقيعات إللى فى البنطلون) إلى أن جاء يوم شديد الظلام (فقام هذا المعلم المجرد من كل معانى الإنسانية بقص شعر هذا الرجل في الفصل أمام زملائه) فتهشم قلب هذا البطل وصار أشلاء من الفتات، فأبدل تعليمه بالعمل لرعاية والديه وإخوانه، ذهب يعمل بالنهار لرعاية والديه، وبالليل لرعاية إخوانه، عمل بأكثر من عمل منها: على سبيل المثال النجارة، والمحارة، والنظافة، والبناء، ..إلخ من الأعمال التي نسميها اليوم العمل باليومية.

أتذكر أنه كان يعمل بالنهار بأحد محلات الزجاج وبالليل يعمل كصبي يحمل على كتفه الرمل مع عمال البناء لكي يكسب مالًا إضافيا، بدأ العمل وهو في نعومة أظافره (في الثامنة من عمره)، فكان الأطفال في نفس عمره يتنزهون مع ذويهم وهو يعمل من أجل رعاية والديه.

كان لديه أخ يُدعى (سيد)، كان متفوقًا في دراسته، فكان معيدًا بالأزهر، كان بطلنا يحبه حبًا جمًا؛ لأنه كان أخوه الوحيد القريب منه ومن قلبه، فكان يصحبه معه في كل شيء،

لكن سيد بعد أن تخرج من الجامعة تخرج أيضا من الحياة، فقد انتقل إلى السماء،

وكان هذا الفراق الأول لأحبابه، ثم بعد ذلك توُفى أخوه الآخر (مجدى)

الذى كان صبيا في عمر الزهور.

ظل بطلنا يعمل من أجل أمه وأبيه وأخواته وخصوصا أخته (منيرة) التي كانت مصابة بالفشل الكلوي، لكنها انتقلت إلى السماء هي الأخرى بعد حرب شرسة مع المرض، فدفن بطلنا حزنه في قلبه وظل يعمل من أجل أخته (نجات) التي كانت مصابة أيضا بالفشل الكلوي، لكنها فارقته أيضاً وتركته يعمل وحده في الحياة، ظل يعمل الطفل ويعمل ويعمل من أجل أخته (سعدية)

التي كانت مصابة أيضا بالفشل الكلوي، لكنها أيضا انتقلت إلى السماء،

حزن كثيرا لوفاتها لأنها كانت بمثابة أمه الثانية، حتى طعامها كان يشبه طعام أمه أيضا.

ظل هذا الطفل يعمل من أجل جلسات أبيه بسبب فشل كليته ومن أجل جلسات الكيماوي الخاصة بأمه، كبُر بطلنا الطفل وصار شابًا قوى العقل والبنيان، ولكن في الحقيقة أنه لم يكن طفلا ولا شابا بل كان رجلا، فكيف لطفل في ريحانة عمره يعمل لرعاية سبع فتيات

وكيف لشاب أن يفقد زهرة شبابه وأن نقول عليه شابا بل رجلا بكل ما تحمله كلمة رجل من معانٍ.

تقدم بطلنا في العمر والتحق بالخدمة العسكرية، ومن المعروف أن الحياة العسكرية

هي أصعب فترة في حياة أي شاب، ولكنها لم تكن الأصعب سوى عند بطلنا،

كانت أشد الفترات قسوة على قلبه، ففارقته أمه وهو في الجيش، كانت وفاتها وفاة لروحه،

فأصبح جسدًا بلا روح، كان أبوه ذاك الشيخ الكبير عصبيا حد الضرب فكان يضرب أم بطلنا بالعكاز.

فحينما تحزن أمه كانت تقول له هذا المقطع الشهير من أغنية شهيرة حين ذاك (عشان الشوك اللى في الورد أحب الورد) فكانت تقصد بالشوك أباه وبالورد بطلنا!

كانت معيشتهم أقسى من سواد الليل، فكان حين يضيق بهم الحال يأكلون الخبز الذي أصابه العفن، كانت هذه السيدة العظيمة حينما يعود إليها ابنها يجدها قد باعت البط والأوز والدجاج الذى كانت تربيهم من أجل أن تطعم ابنها وأخواته، وكان كيلو اللحم لا يكفيهم لكثرة عددهم، فكانت تعطى للجميع قطعة له إلا قطعتها هي فكانت تخبئها في الشجر حتى يعود ابنها

ويأكلها هو بدلا منها، لم يكن حينها مألوف على أذنهم كلمة (ثلاجة) أو ما يشبه ذلك؛

لذلك كانت تخبئها في الشجر إلى أن يرجع، كانت أمه ملكة متوجة في عينيه

ولهذا كانت وفاتها بمثابة تمزيقا وتشريدا لروحه.

ظل يعمل من أجل أخواته الأخريات، حتى هو بنفسه من جهزهن لعرسهن،

كان ونعم الابن، بارًا بوالديه لأقصى درجة من البر، ورحيما بأخواته لأقصى درجة من الرحمة،

وكان يدخر من ماله من أجل أن يبنى له بيتا ليتزوج، بناه هو بنفسه وبيده مثلما نقول بالمصرية

(طوبة طوبة)، حتى تزوج وأنجب أول طفلة له (حنان)، فهي كما يلقبها دائما (رحمة ربى العالمين) لأنها تمثل له الأم الحنونة -كاسم على مسمى- كانت أول ما رأت عيناه

مثل ما يقول لها دائما، فبرغم عنائه معها؛ لأنها كانت مصابة بنقص في الأوكسجين وثقب في القلب لكنها حُفرت في قلبه هو، كان دائما يقول لها وجهك أتى بالخير، فحينما وُلدت فُرجت كروبه

إلى ان أشترى أول تلفاز في حياته لبيته.

ثم بعد ذلك بسنوات مات أبوه، ذاك السند تركه وحيدا في الحياة يسند نفسه بنفسه،

ثم جبر الله به ورُزق بعنقودة قلبه (غدير) الابنة الصغيرة له، وأصبح مالك دكان الزجاج

الذي كان يعمل صبيا فيه، فبرغم صغر الدكان لكنه الأشهر على الإطلاق في بلدته،

وإذا أردت أن تصلح أي شيء سيقول لك أحد المارة بكل تأكيد: اذهب إلى شاكر صاحب دكان الزجاج.

أشعر أحيانا أن قصة شاكر تشبه قصة سيدنا يوسف -عليه السلام- فأخوة شاكر أيضا

ألقوا به في البئر، ولكن في بئر الظلم والتخلي والوحدة، فهو يُوسُفيّ القلب، كله حياء، ذو وجه نوراني تشع منه محبة الله، ذو قلب طاهر برغم ملوثات الدنيا، كنت أتمنى أن يرزقني الله بأخ مثله، وأتمنى أن يكون زوجي صالحا مثله.

هذا البطل الذي كان يرتدي ما هو مُرّقع من الثياب، اليوم يشتري لي أفخم أنواع الثياب، وهذا الرجل الذى لم يكن لديه بيت، جعل لي غرفة خاصة بسرير ومكتب ودولاب، وهذا  الرجل الذى كان يعمل في طفولته كي يعول أسرته، اليوم يتسلل إلى غرفتي بكل هدوء ويضع لي مصروفي الخاص في حقيبتي وأنا نائمة حتى لا ينتابني الحرج، وهذا الرجل الذى كان يأكل ما أصابه العفن من الخبز واللحم المعلقة في الشجر، اليوم لا يمر أسبوع  إلا وهو يأتي لي باللحم الذي أفضله، وهذا الرجل الذي حُرم من حنية الحياة، لم يحرمني من دفء حضنه ونظراته المطمئنة، برغم أنه الأعلم بمرارة طفولته، فكذب من قال: فاقد الشيء لا يعطيه، هذا البطل أعطاني كل شيء حُرم منه بل وأكثر، فهو يوميا برغم إني أصبحت في مقتبل العشرين من عمرى فإنه هو من يقوم بإيقاظي واصطحابي معه على (الموتوسيكل) ليوصلني إلى الجامعة، ولنكمل رحلتنا سويا.

هذا البطل هو حبيبي الأول ورفيق رحلتي وشريك قلبي وصاحب عمري وصديق روحي

هذا البطل هو أبى أطال الله في عمره.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: