أدب الطفل من التراث إلى الحاضر

أدب الطفل من التراث إلى الحاضر

رؤى جوني

 

لا شك أن تاريخ ادب الطفل بدأ منذ عصور بعيدة، ولكنه لم يأخذ الشكل الذي نراه عليه اليوم بل تكثّف وتطور   بتوالي الزمن واحتكاك الثقافات الى ان دخلت   ترجمة الكتب الغربية في العصور الحديثة وتشكل بقالبه الحالي، ورغم ذلك يمكننا ان نقول بان ادب الطفل لم يصل لمرحلة النضج الكبير كبقية فروع الأدب، ولكن بدأت الحكومات والمؤسسات الثقافية العربية تلقي الضوء عليه وتسعى لتطويره لإيمانها بأهميته وتأثيره على الأجيال في المستقبل.

في   هذا المقال سبر موجز لتاريخ أدب الطفل في بلادنا العربية.

العصر الجاهلي

يعرّف العصر الجاهلي بالفترة الممتدّة قبل بعثة سيّدنا محمّد (ص)، والّتي استمرّت قرن ونصف قبل البعثة.

كان العرب في هذا العصر يتمتّعون بصفات إيجابية   كالشّجاعة، والكرم، وإغاثة الملهوف، ونصرة الحقّ، وصلة الرّحم، وعندما جاء الإسلام أبقى عليها لكن من جانب آخر عرف العرب في هذا العصر العادات السيّئة مثل: العصبيّة القبليّة، والتّفاخر، ووجود الجواري والعبيد، ونتيجة الحياة القبليّة الّتي اتّسموا فيها كانت حياتهم غير مستقرّة وكثيرة التنقّل بحثا عن الكلأ والماء، وقد شاع موضوع الدندنة والأغنية للطفل لإيصال معان أو فكرة تربوية مثلا:

حليمة السعدية كانت تغني للنبي (ص)، وتحبه حبا كبيرا وتقول:

يا رب إذ أعْطيْته فأبْقِه

وأعْله إِلى الْعلا ورقْه

وادحض أباطِيل الْعِدا بِحقْه

وبإمكاننا إيجاز موضوع ادب الطفل في العصر الجاهلي   بما نسميه (القصص الشعبية) أو القصص التي توثق عن طريق الأشعار وتخبر عن الحروب والأزمات كقصة الزير سالم وداحس والغبراء، التي كانت تحدث بين القبائل في ذلك الوقت وانتقلت من جيل لآخر عبر الرواة والشعراء، وكان الهدف من سردها نقل قيم أخلاقية وتربوية معينة والتسلية   وتخفيف الآثار السلبية في النفوس

العصر الإسلامي

الأدب الذي ظهر في الفترة الممتدة من بعثة النبي -ص-وحتى آخر عصر الخلفاء الراشدين

استمرت أساليب التلقين عبر الأناشيد  فنجد مثلا:

الزبير بن العوام في ترقيص ابنه عبد الله

أزهر مِن آل أبِي عتِيق

مبارك مِن  ولد الصدِيق

ألذه كما ألذ رِيقِي

وانتشرت   قصص الإسرائيليات وما يتوافق منها مع القصص في القرآن مثل قصص هاروت وماروت، وقصص الأنبياء، وقصص السلف السابق ولقد كان لليهود والنصارى الذين كانوا يعيشون في فترة انتشار الإسلام ونزول الآيات   الأثر الكبير في نشر وتأكيد القصص في المجتمع الإسلامي بناء على ما أنزل في كتبهم ومنهم اليهودي كعب بن ماتع الحميري الذي أسلم لاحقا. وقد انتشرت قصص من الإسرائيليات لاحقا لا تتوافق مع القصص القرآني لكنها لاقت رواجا  في المجتمع نتيجة الجهل بعد وفاة النبي الكريم رغم دسها لتأكيد بعض الخرافات في فئات المجتمع مثل تحريف قصة الخلق (آدم وحواء) وغيرها من الشعوذات والقصص التي لا سند لها.

العصر الأموي

من صفات هذا العصر أن العوامل التي كانت قائمة في العصر الجاهلي وفي صدر الإسلام قد اختلفت من عدة نواحي سياسية بسبب الحروب الكثيرة والتي لم تتوقف وكانت السبب في اضعاف الأمويين لا حقا أمام العباسيين، وكذلك كان لاختلاف البيئات والخروج من شبه الجزيرة العربية والتوجه نحو بلدان أخرى وصلت للأندلس ومشارف بلاد الروم أثرا كبيرا في التعرف على ثقافات شعوب وامم أخرى، فتلون الأدب بألوان هذه البيئات وتأثر بها، فكان لبيئات الشام والعراق وخراسان ومصر والمغرب والأندلس أثرها القوي في الحياة الاجتماعية والفكرية والأدبية لما جاء العصر الأموي تعقدت الحياة وتطور المجتمع الإسلامي واتسعت رقعة الدولة فوجدت الحاجة إلى إنشاء الدواوين..

ورافق إنشاء الدواوين بدء حركة التدوين، فجمعت طائفة من الأخبار والسير والأشعار، وكتبت رسائل في موضوعات شتى، في تلك الفترة ظهر الإكثار من الترادف، والعناية بالتصوير الفني وبالجانب الموسيقي، واختيار الألفاظ والتوازن بين الجمل، والإتيان بالسجع أحياناً. وهو ما استمر لاحقا وحتى الآن في الأدب لاسيما ما يتعلق بأدب الطفل لإيصال الفكرة بطريقة سلسة ذات نغم، رغم انه لم يكن قد ظهر ما يخص أدب الطفل كأدب مستقل.

ورغم ذلك كان السمة الأدبية الظاهرة المتوجهة للطفل ما زالت عبر الشعر والأغنية، وكانوا يستخدمون الشعر في مدح الخليفة لرعايته للأطفال أو للتهنئة بقدومهم او رثاء آبائهم.

العصر العباسي:

تعتبر ( البانجاتنرا) التي وضعها حكيم هندي، هي أصل حكايات ( كليلة ودمنة) التي ترجمها عبد الله المقفع عبر اللغة البهلوية، وعدل فيها بما يتناسب مع البيئة الاجتماعية في بغداد إبان العصر العباسي.

إن الاحتكاك بالحضارات الأخرى مع وجود أسس شعرية وسردية ونحوية فتح أبواب الأدب على مصراعيه في هذه الحقبة، ومنه ما كان بالطبع موجها للأطفال وانقسم الأدب لفصول

منها المقامات والحكايات ومنها التوثيق ومنها التأليف

ومن أشهر كتاب هذا العصر كان الجاحظ الذي اشتهر بالأسلوب السردي فلان عن فلان وقدرته على ربط فصول الحكايات من خلال نصوص قصيرة موجزة وخيال بهي مشوق.

في كتب الجاحظ العديد من الوصايا منها ما كتب في رسائل الإخوان بأسلوب تربوي على شكل وصايا، ونجد في كتابه البخلاء، قصصا قصيرة مكتوبة بأسلوب فكاهي بديع يمكن أن يعتبر تعليميا تربويا يبحث أسلوب التعامل المالي والنقدي.

العصر الحديث

يمكن    اعتبار العصر الحديث في بلادنا العربية قد بدأ منذ عهد محمد علي   1769-  1849

عن طريق انفتاح مجال الترجمة والتعريب حيث قام رفاعة الطهطاوي بترجمة عدد من الكتب وتنقيحها وإعدادها مثل كتاب المربي الفرنسي فينلون (مواقع الأفلاك في وقائع تليماك)    فترجم الكتاب الذي بلغ 792 صفحة وقد اعيدت طباعته بعد سنوات عدة في بيروت  واقتبس منها مسرحية تتألف من خمسة فصول أعدها سعد الله البستاني.

وترجم   كتاب روبنسون كروزو لدانيال فينو   1835 من قبل بطرس البستاني وقد لقي رواجا كبيرا بين الكبار والفتيان

وصدرت عدة صيغ عربية للكتاب الفرنسي (امثولات) لافونتين، وتوالت تراجم الكتب الى أن جاء أحمد شوقي الذي كان قد تعرف على الكتب الفرنسية فبدأ بكتابة قصصا لل

فال على لسان الحيوانات منها حكايات (الصياد والعصفورة) و(الديك الهندي والدجاج البلدي) من حكايات (ديوان الشوقيات) 1898

بعد تلك الفترة توالت الكتابات والترجمات في ادب الطفل بشكل كبير من الصعب سردها في مقال واحد فأسس العديد من الأدباء لهذا المجال مثل علي فكري، محمد الهراوي، وتلا جيل الرواد جيلا جديدا سواء في مصر أو في سوريا ولبنان مثل كامل كيلاني، محمد سعيد العريان، عطية الإبراشي، أحمد نجيب….

ويعتبر كامل كيلاني هو الرائد الفعلي الحقيقي لأدب الطفل في العالم العربي حيث كتب أكثر من مائتي قصة ومسرحية للأطفال منها (السندباد البحري) 1927

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: