أثر الانحرافات السلوكية لدى الشباب على المجتمع 

الباحثة جهاد محمود

تعد مشكلة الانحرافات السلوكية لدى الشباب من المشكلات الاجتماعية الخطيرة، ولها تأثيراتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الفرد والمجتمع، فالشباب يتعرضون وخاصة في سن ضغيرة لكثير من العقبات التي قد تؤثر على سلوكياتهم وتصرفاتهم، وتكون سببًا في تغيير مجرى حياتهم، وقد تؤدي إلى انحرافهم سلوكيًا إن لم يجدوا من يتعهدهم ويرعاهم ويرشدهم إلى طريق الصواب..
فسلوك الفرد هو ما يصدر عنه من استجابات حركية أو عقلية أو اجتماعية عندما تواجهه أي منبهات أو بواعث أو مثيرات، وقد يكون هذا السلوك مرئيًا محسوسًا، وقد يكون باطنيًا خفيًا… بينما الانحراف السلوكي هو: الميل والإعوجاج عن الطريق الصحيح، وعن كل ما هو معتاد، كما أنه اختراق وانتهاك للتوقعات الاجتماعية، والخروج عن المعايير التي يحددها المجتمع ويرتضيها للسلوك وعدم الالتزام بها، ويعد هذا السلوك الانحرافي مكتسبًا وليس فطريًا.
وينقسم هذا الانحراف السلوكي إلى قسمين: انحراف قيمي، وهو السلوك الذي يصدر من الفرد، ويعود عليه بالضرر، وفيه إهدار لقيمة الوقت والجهد والمال وهو ناتج من فكرة وقناعة داخلية بأداء هذا السلوك، مثل: إدمان الكحول وتعاطي المخدرات. وانحراف أخلاقي وهو السلوك الذي يصدر من الفرد و يعود بالضرر المباشر على الفرد ذاته أو غيره سواء عائلته أو مجتمعه كالاعتداء المباشر على الآخرين أو من خلال التحريض. ويعد الانحراف القيمي أكثر خطورة؛ لأنه يحمل مفاهيم وقناعات ينتج منها سلوك، بينما الانحراف الأخلاقي قد يكون عن هوى في النفس. ومن الناحية الاجتماعية ينقسم الانحراف إلى: انحراف فردي يصدر من الفرد ذاته، وانحراف موقفي يرجع إلى المواقف الضاغطة على الفرد ذاته كالسرقة نتيجة الجوع والفقر، وانحراف منظم وهو الانحراف كثقافة فرعية كنحراف العصابات. وتقسم مستويات الانحراف عند الشباب أيضًا إلى: انحراف خطر وفيه يمارس الفرد أنواع الانحراف كافة بصورة دائمة ومتكررة. وانحراف شديد ويمارس فيه الفرد لغالبية أنواع الانحراف بصورة دائمة ومتكررة. ومُعرض للانحراف بشدة وهو الشخص الذي مارس عدة انحرافات لمرة واحدة فقط. ومُعرض للانحراف وهو الشخص الذي مارس نوعًا من الانحرافات لمرة واحدة ومازالت تسمح له الفرصة بممارسة الانحراف ولكنه يقاوم ويمتنع.وغير منحرف وهو الشخص الذي لم يمارس أي نوع من أنواع الانحراف ولم يتعرض له.
ويرجع من أسباب الانحرافات السلوكية لدى الشباب: غياب الوازع الديني والقيم الأخلاقية، الأسرة ومشكلاتها المتمثلة في: ( غياب التنشئة السليمة، غياب القدوة، المستوى الاقتصادي للأسرة، الموت، الطلاق والانفصال، المشاحنات والمنازعات بين الأب والأم بالقول والفعل، التفرقة في المعاملة بين الأبناء عن طريق التدليل الشديد أو القسوة الزائدة، البيئة التعليمية والمتمثلة في: غياب دور المعلم المربي القدوة، عدم الرقابة على سلوكيات المتعلمين، غياب الأنشطة التربوية وعدم تفعيلها في بعض المدارس، الفراغ وقلة فرص العمل، والبطالة السائدة بين فئة الشباب، وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تؤثر بشكل مباشر سواء بالسلب أو الإيجابي في تحديد اتجاه السلوك لدى الفرد، رفقاء السوء، التنمر بجميع أشكاله سواء اللفظية أو العملية، الحروب والأزمات والتحديات التي تواجه المجتمع كالفيروسات والتغيرات المناخية والتحريض على العنف والشغب وإحداث الفوضى وكذلك الوضع الاقتصادي للدولة…
ومن علامات الانحرافات السلوكية لدى الشباب: التغيب عن المدرسة، أو الجامعة، تراجع المستوى التعليمي والتحصيل الدراسي، إهمال العمل، الميل إلى العزلة والانطواء على النفس، العصبية وسرعة الانفعال لأتفه الأسباب، التأخر الدائم في العودة إلى البيت، التشتت الذهني الدائم، عدم تقبل النصيحة من الآخرين، عدم الشعور بالندم أو الذنب، عدم احترام الرأي المخالف، التفكير في الانتحار أو القتل أو تعاطي المخدرات، التحريض على العنف وارتكاب الجرائم بجميع أنواعها، عدم احترام الآخرين قولًا وفعلًا سواء في المنزل أو في المحيط الاجتماعي.
كل هذا يستدعي ويتطلب بشدة وقفة وتوعية مجتمعية؛ من أجل مواجهة الانحرافات السلوكية لدى الشباب، وذلك عن طريق: ضرورة اتباع الشباب لتعاليم الدين الصحيحة، والتحلي بالقيم الأخلاقية قولًا وفعلًا، دور الأسرة في التربية والتنشأة السليمة، وذلك من خلال: احتواء الشباب والحوار معهم، ومساعدتهم على تعديل سلوكهم، إشباع الشباب بمشاعر الاحتواء والحب والثقة والحنان الأسري، احترام رأي الشباب ومشاركتهم في تحمل المسئولية الأسرية والمجتمعية، فعلى كل أسرة أن تدرك أن من حق المجتمع عليها أن تخرج جيلًا قويًا من الشباب لديه من القيم والسلوكيات الأخلاقية التي تساعده على الانخراط والتفاعل في ذلك المجتمع بشكل طبيعي مرن وسليم؛ ليصبح قادرًا على مواجهة تحديات المجتمع السلوكية بوجه خاص، كذلك دور المدرسة والمعلمين والمؤسسات التعليمية كافة في التوعية بمخاطر الانحرافات السلوكية على الفرد والمجتمع، وذلك من خلال: أن يكون المعلم قدوة طيبة وصالحة لجميع المتعلمين، ضرورة توفير بيئة مدرسية يسودها الأمن والاستقرار والحب والإنسانية ونبذ العنف والقهر والكراهية، تفعيل الأنشطة التربوية الهادفة في المدارس، دور الفرد ذاته ووعيه بأهمية وضرورة أن يبتعد عن كل ما هو منحرف في أقواله وأفعاله وملابسه وفي تعامله مع الآخرين داخل المحيط الاجتماعي الذي يوجد فيه، ضرورة بعد الشباب عن التنمر بجميع أشكاله؛ لما له من أثار نفسية سيئة على الآخرين، ومنها: القلق والتوتر والخوف وعدم القدرة على التواصل الاجتماعي، ضرورة الوعي الفردي والمجتمعي بمخاطر مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام في تحديد نوع السلوكيات التي يرغب فيها كل أب وأم بل والمجتمع بأسره، ضرورة مشاركة جميع منظمات المجتمع ومؤسسات الدولة وذلك من خلال عقد الندوات والمؤتمرات الدائمة المستمرة؛ للتوعية بمخاطر الانحرافات السلوكية على الأفراد والمجتمع اجتماعيًا ونفسيًا واقتصاديًا.
ختامًا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، وسوف يحاسب الله الجميع على التقصير في أداء مهمته في تلك الحياة، فما خلقنا الله إلا للعبادة وإعمار ذلك الكون، وما أجمل أن تكون العمارة الكونية في تقويم وتعديل وتغيير الانحرافات السلوكية لدى الشباب في ذلك المجتمع الذي نعيش فيه، ونحبه، ونرغب له في مستقبل أفضل ومشرق؛ ليصبح شبابه أداة قوية في تنميته وتقدمه لا تأخره وتراجعه، فلا تقدم لهذا الوطن إلا بسواعد شبابه الأقوياء علميًا وعمليًا، المتمسكين بأخلاقهم وسلوكياتهم الإيجابية النبيلة، القادرين على تقبل الآخرين، والحوار البناء، والتعايش معهم بإنسانية ورحمة وكرامة؛ وذلك كله من أجل استقرار وسعادة ورفاهية الإنسان نفسيًا واجتماعيًا ومن ثم مجتمعه، حيث إن إصلاح المجتمعات يبدأ بإصلاح سلوكيات أفراده؛ ليكونوا مصلحين.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: