أبو العمدة

أبو العمدة

يكتبها : محمد فيض خالد

 

في فناءٍ متسع براحه ممتد تحيطه أسوارٌ عالية من اللَّبن ، وتحفّه أشجار الكافور العالية تحجب كُلّ شيء ، ترابط المدرسة الإعدادية في صفرة لافتة تلك وجهتي ، تبعد عن قريتنا مسافة طويلة ، بالجملة أذهلني كل شيء هناك ، ولكن ما شدني أكثر تصرف عامل المدرسة العجوز ” أبوالعمدة ” فعدم اكتراثه بالمسؤولين مبالغ فيه ، جاموسته المسنة ترعى في ارتياح فوق بساط الحوش الأخضر ، تتناثر فصلاتها تملأ الأرض ، أما حماره الهزيل فنهيقه لا ينقطع ، لا يفوقه غير صياح  صاحبه يتطاير يغُرِق الفصول ، وشتائمه الصَّريحة لا يُصدّ ولا يُردّ.

إلى الآن لا يتكشف مصدر قوته ، يقول عبدالكريم أمين العهدة :” إن ابن عمه مسؤول كبير في مكتب المحافظ “، لم ترهبه تهديدات الناظر ولم تخضه ، فتوجيهه رغم صرامته بأن يخلي المدرسة من حيواناته تذهب أدراج الرياح ، ذات صباح أشرف حضرة الناظر من شرفة مكتبه ، لوح بكاميرته الخاصة ممسوح الأسارير  ، وبدأ فلاشها يقدح الشرار ، لكن صاحبنا لم يعبأ به، بل تقدم في سكون يحمل جردل الماء ، وقف أمام جاموسته المدللة علوا في التجاهل .

مرت الأيام سراعا ، حتى كان ذلك الصباح الذي تعالت فيه ضحكاته مع الناظر مجلجلة ، وقد استغرقا في نكاتهما البذيئة ، وأكواب الشاي تتوالى في ود ، أدرك المتربصون أنه لا فائدة في التخلص منه ، فهذا حاله مع كل نظار المدرسة ، ما إن يحتدم الصراع ، حتى تطفئه رشقات الشاي وأنفاس الدخان اللزجة، والحق يقال فرغم مهابته ، وحدة مزاجه ، فإن لكرمه مفعول السحر ، خاصة مع القادمين من البندر ، قيده ممدودة سخية ، يغدق عليهم من لذائذ الريف الوفيرة ، من الزبدة والجبن القديم والعجوة وحزم الثوم وخلافه ، وأحيانا السلف بعيدة الأجل ، يعجب  الجميع ، لكنهم يكرهون فيه عجرفته وهندامه المبالغ فيه  ، وقريبه الذي يركن إليه ، ولقبه الذي يشعرهم بالدونية والضآلة ، فهو في مرات عديدة أشهر من ناظر المدرسة ، هو ابن وحيد لعمدة سابق ، نذره للوجاهة من بعده ، لكنه خيب ظنه ، واكتفى من دنياه بوظيفته على دنائتها ، وميراث أمه الوفير. .

كنت كغيري نخشاه أشد خشية من المدرسين ، نكره لقياه ونفزع لمرآه ،مع أنه لم يصب أحد منا بسوء ، بل كان كثير التلطف مع الغرباء أمثالنا ، كبرت وألفت الذهاب للاستحقاقات الانتخابية وما أكثرها ، تحتضن مدرستنا لجان الاقتراع ، فما إن أتخطى البوابة الرئيسة ، إلا وصوت الرجل يشرخ طبقات الصمت المطبق ، تسري قشعريرة طارئة في بدني ، استحضر هيئته المروعة ، لكني اطمئن نفسي بابتسامة مرتجفة ، فلا وجود اليوم لصاحبي فقد طواه النسيان..

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: