آيات عبد المنعم تكتب : «اِقرأ» طريـقَ الخلاص

 

هل جربْتَ أن تسيرَ وحيداً وَتعودَ كثيراً؛ تُصافحُك الطرقات ويبوسُ وجنتيك القمر، تتعلَّمُ أنَّ النور ينبع داخلك؛ من تلكَ الزواية الّتي سقطَ دمعكَ فيها كاملاً بِيدِّ اللّٰه وعاد مُكتملاً..
سيُعيدُ اللّٰه بناءَ الأمل في هيكل روحك، تتدفَّق الكهرباء في دمك وعينيك، في مدينتك الّتي شَبِعت من قهرِ الظلام، لا تقلق فقط تَتبَّـع نور العلم حيثُما كـان..
حينَ كنتُ في القاهرة لظروف خارجة عن إرادتي لم أذهب معرض الكتاب العام الماضي؛ رغم أنِّي كنتُ أودُّ مقابلة الكثير من المؤلفين الذين يحظون بقدرٍ كبير من الاحترام لدىٰ عقلي، رُبّما مشاركتي بمقال في مجلة أوراق فلسفيّة، وكان عنوان العدد «النيل أنطولوجيّاً وجماليّاً» الصادر في يوليو 2021، عزائي في عدم وجودي هُناك آنذاك، فقد تكون الكلمات وجهًا آخراً لنا وتمثِّلُ جزءاً منا.
اليوم الأول لمعرض الكتاب في بيروت كان عوض اللّٰه الجميل لي في هذا العام، ذهبتُ وحدي، وكم أعشقُ السير مع «آيـة» هذا اسمُ الدَّلالِ الخاص بي الذي يُناديني بهِ المقربون؛ أحبُّ توحُّدَ الهواء مع أنفاسي والصمت الطويل والثرثرة الداخلية الهادئة، تعمّدْتُ أن أسلُكَ الطريق الأطول، لأنِّي أومن بقراءة الأماكن لا الكتب فحسب، أريدُ أن أطمئن على موطن صِباي، تلكَ العاصمة التي بيني وبينها حديثٌ لا يعرفهُ أحدٌ إلاّ أنا وهيَ واللّٰه، ثالوث محبّةٍ وضوء القمرِ شاهدٌ وشهيد.
لقد غفتْ بيروت مُطمئنةً على كتفي، لا تسلني كيف؟
بينَ العاشقِ والمعشوق لُغةٌ مبهمة لا تخضعُ للتأويل، إمّا أن تقرأ الحرفَ وتمرَّ عليه مرور الكرام، أو تتذوقهُ بشَفةِ قلبك.
رُبّـما تشعرُ أنِّي أبـالغُ، لكنَّ رغيـفَ الرِّضا الذي ملأ روحي، سيُشاطرني نصفهُ أيُّ إنسانٍ يُؤمن بالكلمة، ويعيش في لبنان هذه الأيام الصعبة، يحيا أزمة الكهرباء وغلاء المعيشة، بيروت تتحدىٰ ذاتها مع كل نشاط إنساني أيًّا كان لونه الثَّقافي أو الفنّي، تُثبت حقيقةَ أنَّ العتمة في العقول في الأرواح لا في الطرقات، تتيقَّنُ أنَّهُ حينَ يُضاء القلب بالعلم والحبِّ والإيمان ستُضاء قلب المدينة.
من ذهبَ إلى معرضِ الكتاب في بيروت اليوم يُدرك أنَّ «اِقرأ» طريق الخلاص، مهما تعددت الآراء حول سبل النجاة من هذا التيه، لا مناص إلاّ أن نقرأ ما ينفع ونعمل به، ليس المسألة بالكثرة بل بالعِبرة.
علَّمتني الفلسفةُ أنِّي لا أخسر إن اقتنيت أيَّ كتابٍ مهما كانت قيمته العلميّة أو الأدبيّة؛ كلُّ حرفٍ تقع عليهِ بصيرتي، هو مِرانٌ للنقدِ، وتحفيزُ الوعي لخلق مئة سؤال بداخلِ كلِّ سؤالٍ عدداً لا متناهي من الأسئلة…
أكملتُ طريقي وروحي تميمةٌ للعشق…
اِقرأ..
كمولودٍ لم يذقُ طعم الأبجديّةِ بعد..
وردةٍ لم تُنجبْ عطرها الخاص..
نحلةٍ لم تزر حقلاً ولم ترْشِفْ عطراً..
ضوءٍ لا يعرفُ ما هو لون العَتمة..
نملةٍ صابرةٍ تُلَمْلِم الحرف حبّةً حبّة..
عدمٍ يحلمُ أن يغدو لوجودهِ معناً..
اقرأ..
كنبيٍّ لم يتلقَّ الوحي..

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: